تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الرقابة الرقمية والسلطة القانونية الموازية لشبكات التواصل الاجتماعي خلال الحرب على غزة"(2-2)

إسلام هلال، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، غشت 2026، 20 ص.

الخوارزمية ليست كودا برمجيا محايدا، بل منظومة معيارية تتترجم السياسة إلى معادلات رياضية. عندما أوضح ليسيج أن "الكود هو القانون"، فقد كان يشير إلى أن قواعد البرمجة تحدد ما يمكن وما لا يمكن فعله داخل الفضاء الرقمي، تماما كما يفعل القانون في المجتمع الحديث. الخوارزمية بالتالي، هي "السلطة القانونية الخفية". إنها "تبنى الأحكام على التنبؤات بدلا من الوقائع، فالمحتوى قد يكون خطيرا أو قد يثير الكراهية، وبناء على هذا الاحتمال تفرض العقوبة أو يمنح الامتياز".

وقد قدمت شوشانا زوبوف مفهوم "رأسمالية المراقبة" لتفسير الكيفية التي أصبحت فيها البيانات البشرية مصدرًا للربح والسيطرة. فالخوارزميات "لا تنظم المعلومات فحسب، بل تستخلص القيمة من السلوك الإنساني عبر المراقبة المستمرة وتحليل الأنماط الاستهلاكية والسياسية. وفي هذا النظام الجديد، تدمج السلطة القانونية والاقتصادية في بنية واحدة، إذ تتحول معايير العدالة إلى أدوات تسويقية تستخدم لتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح السوق والسياسة".

ويرى الكاتب أن المنصات الرقمية تعمل من خلال مجموعة من الآليات المترابطة التي تعيد إنتاج السلطة القانونية والاجتماعية في الفضاء الرقمي:

- التصفية: تحديد ما يعرض أو يخفى للمستخدم، ما يخلق رقابة مسبقة غير معلنة.

- الترتيب: تنظيم المحتوى وفق أولويات تحددها المنصة، مما يمنح بعض الأصوات هيمنة على حساب أخرى.

- التصنيف: إضافة وسوم مثل "محتوى مضلل" أو "تحريض على الكراهية"، وهي آلية تمنح المنصة سلطة تقييمية تشبه الأحكام القضائية.

- الحظر الظلي: حجب غير معلن للمحتوى أو تقييد انتشاره دون إخطار المستخدم، بما يشبه عقوبات تأديبية خفية.

وتشكل هذه الآليات مجتمعة ما يمكن تسميته بـ"القانون الخوارزمي"، وهو "نظام ضبط يقوم على التنبؤ الإحصائي وليس على النصوص، ويهدف إلى التحكم في السلوك الجمعي أكثر من تحقيق العدالة".

 بالتالي، فإن النظام الرقمي يعمل على "ضبط السلوك الإنساني من خلال بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها الأبعاد التقنية والتنظيمية والاقتصادية والمعرفية لتشكل معا منظومة متكاملة للسيطرة".

يبدأ الضبط من المستوى التقني، وهو الأساس الذي تبنى عليه بقية المستويات، ويتجلى في البنية التحتية للشبكات والبيانات. "فالتحكم في الخوادم، وتشفير الاتصال، وتحديد مسارات الوصول إلى المعلومات تمثل أدوات سلطة مادية تحدد من يمكنه المشاركة في الفضاء الرقمي، وكيف تدار حركة البيانات داخله. ويتيح هذا المستوى للشركات المالكة للبنية الرقمية قدرة شبه مطلقة على تقييد الوصول أو حجبه، بما يعادل السيطرة على المجال العام في صيغته الافتراضية".

المستوى الثاني هو المستوى الخوارزمي، ويمثل "جوهر السلطة الرقمية الحديثة، وهو الذي يحدد ما يظهر للمستخدم وما يخفى عنه، من خلال آليات التصفية والترتيب والتصنيف. وتعمل الخوارزميات قاضيا غير مرئي يقرر ما يستحق الظهور وما ينبغي تهميشه، مستخدمة بيانات المستخدمين وأنماط سلوكهم لإنتاج أنظمة تقييم وتنبؤ. هذا الضبط الحسابي يعيد تشكيل الخطاب العام من خلال التحكم في فرص الوصول إلى الجمهور، ومن ثم في تشكيل الرأي العام ذاته".

أما المستوى التنظيمي فيترجم السلطة الخوارزمية إلى قواعد شبه قانونية. هنا، "تضع المنصات سياسات المجتمع وشروط الاستخدام التي تعد بمنزلة تشريعات داخلية تنظم التفاعل بين ملايين المستخدمين. وتمارس المنصات في هذا الإطار أدوارا تشريعية وتنفيذية وقضائية في الوقت ذاته، عبر إصدار القرارات بالحذف أو التقييد أو الحظر، وتفعيل لجان المراجعة الداخلية التي تمنح قراراتها طابعا قضائيا من دون أي رقابة عامة أو شفافية حقيقية".

على المستوى الاقتصادي، تدار الخوارزميات وفق منطق السوق لا منطق العدالة. فالمنصات "تعيد توجيه المحتوى بما يخدم مصالح المعلنين أو الشركاء السياسيين، وتربط قابلية الظهور بالجدوى الاقتصادية. وهكذا تتحول الرقابة من وظيفة أخلاقية أو قانونية إلى آلية استثمارية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية على مستوى عالمي".

أما المستوى المعرفي/الرمزي، فهو أعلى درجات الضبط الإلكتروني، إذ يتجاوز حدود التنظيم إلى تشكيل الوعي نفسه. في هذا المستوى "لا تتحكم المنصات في المحتوى فقط بل في المعنى: تحدد ما هو خبر وما هو تحريض، وما يعد حقيقة وما يعد تضليلا. ومن خلال التكرار والإخفاء والوسم، تعاد صياغة الذاكرة الجمعية، بما يؤدي إلى تهميش السرديات غير المرغوبة وإنتاج إبادة معرفية للصوت الضعيف كما هي الحال في التعتيم على المحتوى الفلسطيني".

تُشير هذه المستويات الخمسة إلى أن الضبط الإلكتروني لا يمارس في بعد واحد، بل من خلال شبكة متراكبة من السلطات تبدأ من التقنية وتنتهي بالرمز.

إنها "سلطة متكاملة تعمل على تنظيم السلوك، وتوجيه الفكر، وصياغة المعنى، داخل فضاء لا يخضع لرقابة قانونية أو سيادة سياسية، مما يجعلها النموذج الأحدث لما يمكن تسميته بـالسلطة الانضباطية الرقمية".

وتعد الحرب على غزة (أكتوبر 2023) نموذجا واضحا لتجلي سلطة الخوارزميات بوصفها فاعلا قانونيا وسياسيا، إذ تم حذف أو تقييد محتوى فلسطيني باستخدام أنظمة تصنيف آلية تعد رواية الضحية "تحريضا" أو "عنفا"، مع أنه كان مجرد توثيق لانتهاكات إنسانية على الأرض. الخوارزمية هنا لا تعمل بوصفها أداة تقنية، بل فاعلا سياسيا يعيد تعريف الشرعية القانونية والمعرفية معا، إذ تحدد من يحق له الظهور ومن يحجب صوته.

من هنا ظهرت دعوات لتأسيس مفهوم جديد هو العدالة الخوارزمية (Algorithmic Justice)، التي تقوم على مبدأي الشفافية والمساءلة. ويقصد بالشفافية "تمكين المستخدمين والباحثين من فهم منطق الخوارزميات وآلية اتخاذ القرار، بينما تعني المساءلة إنشاء هيئات مستقلة لمراجعة القرارات الآلية وتصحيح الانحيازات".

وقد بينت الحالة الفلسطينية أن سياسات المنصات والخوارزميات قد تحولت إلى إبادة معرفية، أي "تهميش منهجي للرواية الفلسطينية عبر الحذف، والتقليل من الوصول، وإعادة تشكيل سياقات المعنى". ومعنى الإبادة المعرفية هنا إنما بيان "تدمير أو تهميش أنماط معرفة الجماعات المقهورة لصالح المعرفة المهيمنة".

ويميز الكاتب بين أربع آليات مركزية تسهم في تهميش الرواية الفلسطينية داخل المنصات هي: "التصفية المسبقة، عبر حجب أو كبح المحتوى قبل انتشاره الواسع بذريعة المحتوى الصادم أو التحريض، بما يقطع أثر الشهادة الرقمية في لحظتها الأولى. وهناك الترتيب الخوارزمي، وذلك عبر خفض قابلية الاكتشاف وإزاحة المحتوى الحقوقي إلى هوامش الواجهة، ما يحد من التداول ويمنع تراكم الرأي العام. وثمة الوسم أو التصنيف وذلك بإضفاء صفات، مثل الـتضليل أو الحساسية على مواد توثيقية، وهو ما يمنح قرارا تقويميا ذا أثر معياري على المتلقي، وصولا إلى الحظر الظلي: وهو تقييد الوصول أو خفض الانتشار دون إخطار واضح، بما يخلق نمطا من الرقابة الخفية يصعب الطعن فيه إجرائيا".

من هنا، فإن ترسيخ العدالة المعرفية الرقمية إنما هو شرط أساس لإحياء الحق في الظهور والسرد، ولحماية إمكانات التوثيق والمساءلة في النزاعات، بما يعيد التوازن بين التقنية والإنسان، وبين الخوارزمية والحق.

إن مفهوم العدالة الرقمية بنظر الكاتب، لا يختزل في حماية حرية التعبير، بل "يمتد ليشمل حماية الذاكرة والمعرفة والكرامة الرقمية للأفراد والمجتمعات، خاصة في السياقات التي تمارس فيها أشكال التهميش الرقمي الممنهج كما في الحالة الفلسطينية".

إن الحرب على غزة قد بينت أن المنصات الرقمية شاركت فعليا في إعادة تشكيل الوعي العالمي بالصراع عبر ما يمكن تسميته بـ"الإبادة المعرفية للرواية الفلسطينية". وهذا يكشف حدود النظام الدولي الحالي في حماية حرية التعبير عندما تتحكم الشركات الخاصة في تدفق المعلومات والذاكرة الجماعية. بالتالي، فقد كشفت السردية الفلسطينية "حدود النظام القانوني الدولي أمام السلطة التقنية الجديدة. كما أبرزت الحرب على غزة أن الرقابة الرقمية ليست مجرد صراع حول المحتوى، بل صراع حول من يملك حق تعريف الحقيقة".

 

نافذة "قرأت لكم"

29 أكتوبر 2026

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال