تحرير: وسام شهير، سعيد الأشعري، المركز الديموقراطي العربي، برلين، 2025، 147 ص.
تعد قارة إفريقيا واحدة من أكثر المناطق تنوعا ثقافيا ودينيا على مستوى العالم، حيث تتقاطع فيها شرائع وطرائق روحانية شتى.
يعتبر التصوف الإسلامي أحد أبرز ملامح هذا التنوع على مر العصور. لقد أدى التصوف دورا محوريا في صياغة الهوية الروحية والاجتماعية للقارة، وأسهم في تعزيز الروابط بين المجتمعات الإفريقية، ونشر قيم التسامح، والسلام، والعدالة. كما أن الطرق الصوفية كانت بمثابة قنوات لنقل المعارف الدينية، وبناء الوعي الجماعي، ووسيلة من وسائل بناء الدولة والمجتمع.
منذ بداياته في إفريقيا، "تبوأ التصوف دورا اجتماعيا بارزا في العديد من الدول الإفريقية، حيث أسهم في ترسيخ قيم التسامح وتوفير السلم الاجتماعي. وكان للطرق الصوفية دور كبير في محاربة التفرقة، وتعزيز التضامن بين الأفراد، كما أسهمت في إيجاد حلول للعديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. علاوة على ذلك، ساهم التصوف في تطوير التعليم التقليدي، من خلال إنشاء مدارس ومراكز تعليمية تركز على نشر المعرفة الدينية والمفاهيم الإنسانية".
في ظل هذه السياقات الصعبة، يظهر التصوف "كقوة ناعمة قادرة على التأثير في المجتمعات الإفريقية بطرق هادئة، من خلال ترويج ثقافة التسامح والتعايش السلمي. هذا التصوف، الذي يعكس قوة روحية هائلة، أصبح الآن أداة فعالة للتعامل مع التطرف الديني، كما يؤدي أيضا دورا في تعزيز التنمية البشرية، خاصة عبر المبادرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحرص على تحسين ظروف الحياة للفئات الهشة في المجتمعات الإفريقية".
هذا المؤلف هو مجموعة مقالات خصصت للتصوف في إفريقيا. لن نقف عندها جميعا. سنتوقف بالتحديد عند مقالة مهمة عن التصوف باعتباره قوة ناعمة، وهو للباحث حميد أوفقير ("الاستثمار السياسي في التصوف ورهانات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا").
يبدأ الكاتب بالقول: "يستند النظام السياسي المغربي على التقليد والرأسمال الديني الرمزي لإضفاء المشروعية على حكم الأنظمة المتعاقبة على المغرب منذ دخول الإسلام، ليظل احتكار الديني واستخدامه كوسيلة لإعادة إنتاج المشروعية السياسية".
إن حضور الديني في بنية النظام السياسي المغربي جاء ضمن "الفلسفة السياسية لحكم الراحل الحسن الثاني، الذي أولى المسألة الدينية مكانة مهمة، في خضم تدبيره لشؤون الدولة والصراع السياسي في فترات معينة بين قوى مختلفة وضعت قوامه الديني البنى القانونية والمؤسساتية منذ الاستقلال، مجسدة تكريس الطابع الديني في أول دستور سنة 1962، من خلال التنصيص على إمارة المؤمنين ودسترتها في الفصل 19، ثم في تسويق نموذجه الديني من خلال المرتكز المذهبي المالكي والعقيدة الأشعرية ثم التصوف الجنيد".
لقد احتل التصوف مكانة مركزية دخل هذه الهندسة الجديدة للحقل الديني، وتم تقديمه "كتجل للسلطة، أو كرأسمال سياسي لضمان الوضع القائم، في مواجهة الأصناف الدينية الأخرى المتطرفة والمنافسة، التي تتسم بالطابع الثوري المعارض، وهي أطروحة تضع التصوف الرسمي في مقابل الأنماط الدينية الأخرى".
يمكن فهم الزخم القوي الذي تعرفه الطرق الصوفية في المغرب، لا سيما في بعض مظاهرها الرسمية بالإرادة السياسية للدولة، والتي ترنو إلى "استثمار التصوف كرأسمال رمزي وتراث روحي مشترك بين المغرب ومحيطه الإفريقي، من أجل مواجهة التطرف الديني والدفاع عن القضايا الإستراتيجية للمملكة المغربية، وتعزيز نفوذها الإقليمي، عن طريق تصدير الروحي والرمزي وترويج نموذج الإسلام المعتدل والمتسامح في مواجهة الإسلام السلفي المتطرف".
لقد شكلت الأحداث الإرهابية يوم 16 مايو 2003 بالدار البيضاء منعطفا لإعادة التفكير في السياسة الدينية المغربية، يقول الكاتب. وكانت "إعلانا صريحا عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التدبير السياسي والديني. من هذا المنطلق اتجهت المقاربة الرسمية إلى محاولة تأميم وضبط الحقل الديني، وإقصاء كل التوجهات الدينية المتشددة التي لا تتوافق مع الأسس الدينية للمجتمع المغربي وطبيعة التدين المعتدل لدى المغاربة، معلنة عن هويتها الدينية التي تنهل من ثلاث مرجعيات أساسية تكمن في المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني".
بالتالي، فقد "تعزز حضور الفاعل الصوفي في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي، من خلال الترويج لنموذج الإسلام المعتدل والمتسامح. من هذا المنطلق عملت الدولة المغربية على احتواء مشايخ الصوفية وتمكينهم من مناصب كبرى، عبر إدماج النخب الصوفية في الحقل السياسي المغربي، وذلك بفضل علاقتهم السياسية مع النظام السياسي".
وعلى سبيل المثال، يتابع الكاتب، تحتل الطريقة القادرية البودشيشية مكانة هامة في النسق السياسي المغربي، وتتمتع بأكبر قدر من التغلغل في النسق السياسي المغربي. ويرجع ذلك إلى الشبكات الشخصية التي بناها مؤسسها الشيخ محمد حمزة القادري البوتشيشي مع النظام السياسي.
ويظهر أيضا في تعيين أحمد التوفيق المنتسب إلى الطريقة القادرية البودشيشية وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية. يتم إنفاق مبالغ مالية مهمة على الزوايا والأضرحة وتقديم هبات موسمية لهم. في المقابل، لعبت الزوايا دورها السياسي الحاسم في ضبط التوازنات العامة، إذ لم تخف ولاءها ودفاعها عن النظام السياسي المغربي.
إن البناء العقائدي الصوفي يقوم على انتاج وإعادة إنتاج تسلسل هرمي من الشيخ إلى المريد:"إن المريد يجب أن يكون في يد شيخه كما تكون الجثة في يد غاسل الموتى".
هذه السلسلة ضرورية لإضفاء الشرعية على تعاليم الشيخ في معظم الطرق الصوفية. ويعد الشيخ "وليا مباشرا لله، ويشتهر بامتلاكه كاريزما وقوى خارقة للطبيعة، وللعالم المادي يطلق عليها في التعاليم الصوفية "البركة"، حيث يكون بمقدوره قراءة عقول الناس وتفسير الأحلام وعلاج المرضى عبر لمسهم وهكذا. يعتبر الشيخ الأب الروحي لأتباع الطريقة الصوفية، يقدمون له الإجلال والطاعة والاحترام، ومن مظاهر هذا الاحترام "تقبيل معظم الصوفيين يد شيخهم".
من جهة أخرى، فقد "لعبت الطرق الصوفية على مر التاريخ، حلقة وصل بين المغرب وغرب أفريقيا، إذ أضحت عاملا مهما في توطيد العلاقات المغربية الإفريقية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد تعزز هذا الدور بفضل الإصلاحات الكبرى التي انخرط فيها المغرب، والتي همت إعادة هيكلة الحقل الديني المغربي، بعد الأحداث الإرهابية التي شهدها العالم مطلع الألفية الثالثة بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة".
لقد استطاعت هذه الدبلوماسية الروحية التي اعتمدها المغرب، أن تلعب "أدوارا ريادية في توجيه البوصلة السياسية بإفريقيا، وفي حلحلة الكثير من التجاذبات السياسية. إذ لم يعد ينظر إلى التصوف كحالة من الزهد والتعبد الفردي كما في جوهره، وإنما أضحى مؤسسات ضخمة لها امتداد عابر للقارات كافة، تتجاوز أدواره تزكية النفوس إلى التوظيف السياسي في مختلف المجالات".
كما لعبت الدينامية النشطة التي تقودها "إمارة المؤمنين" في أفريقيا دورا مهما في تعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمغرب مع دول غرب إفريقيا. ففي السنوات العشرين الأخيرة، قام الملك محمد السادس بأزيد من خمسين زيارة إلى ثلاثين بلدا إفريقيا، وتم خلالها توقيع أزيد من 1000 اتفاق.
وقد حرص الملك محمد السادس خلال هذه الزيارات على "قيادة أنشطة ومبادرات دينية رمزية موازية؛ أبرزها تشييد مساجد في دول إفريقيا. إضافة إلى إقامة صلاة الجمعة في عواصم بعض الدول الأفريقية السنغال، ومالي، والغابون ونيجيريا. كما دأب الملك على توزيع آلاف النسخ من القرآن الكريم".
هذه الزيارات بين أمير المؤمنين والطرق الصوفية سرعان ما تتحول إلى نوع من الاتصال المباشر بين الزعيم الروحي وأتباعه. وهو "اتصال رمزي، يتجاوز مختلف الاعتبارات الزمنية والمادية. إلى جانب الأنشطة الملكية، عملت المملكة المغربية على مأسسة الشراكة المغربية الإفريقية في المجال الديني عبر إنشاء مجموعة من المؤسسات التي تعنى بالتأطير الديني وتصدير قيم ومرتكزات الإسلام المعتدل المغربي إلى الدول الإفريقية. ومن بين هذه المؤسسات نجد معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات الذي تأسس سنة 2015".
لقد أثمرت الجهود التي بذلها المغرب منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين من أجل "تجديد موقف البلدان الإفريقية في قضية الصحراء وحشد دعم إقليمي لها، وذلك راجع بالأساس إلى تجربته الفريدة في تدبير الحقل الديني، والعلاقات الروحية والروابط الوثيقة التي تربطه بالطرق الصوفية"...
نافذة "قرأت لكم"
22 يناير 2026