مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تقرير، ديسمبر 2025، 11 ص.
تنطوي هذه المعادن بالأساس على 17 معدنا رئيسياً، أو "اللانثانيدات الخمسة عشر" ، وهي: اللانثانوم، والسريوم، والبراسيوديميوم، والنيوديميوم، والبروميثيوم، والساماريوم، واليوروبيوم، والغادولينيوم، والتيربيوم، والديسبروسيوم، والهولميوم، والإربيوم، والثوليوم، والإيتربيوم، واللوتيتيوم، بالإضافة إلى السكانديوم والإتريوم.
وتنتمي هذه المعادن إلى "مجموعة من 45 معدنا استراتيجيا، وهي تختلف عن المعادن الأساسية، كالحديد والنيكل والزنك والنحاس وغيرها؛ حيث تتسم بانخفاض إنتاجها ودرجة عالية من التقنية وقيمتها العالية ودرجة عالية من الحساسية".
وعلى الرغم من وصفها ب "النادرة"، فإنها فعليا لا تتسم بالندرة في قشرة الأرض. فالسريوم، على سبيل المثال، متوفر بكثرة على غرار النحاس، "غير أن الندرة الحقيقية لهذه المعادن تكمن بالأساس في التحديات التقنية التي تواجه استخراجها وتنقيتها، إذ من أجل زيادة كميات صغيرة من المعادن النادرة، يتطلب ذلك رفع عدد كبير من أطنان الصخور والحصى".
فلاستخراج كيلوغرام واحد من الغاليوم، يجب تكسير 50 طنا من الصخور، ولاستخراج كيلوغرام واحد من اللوتيسيوم، يجب تكسير 1200 طن من الصخور، فضلا عن "صعوبة الحصول على هذه المعادن في الحالة النقية، كما أن عملية استخراجها تبدو محفوفة بالمخاطر، خاصة وأن عملية تكرير هذه المعادن
تحتاج لاستخدام أحماض الكبريتيك والنيتريك، التي تلوث المياه والتربة المحيطة، كما تحتوي هذه المعادن على الثوريوم أو اليورانيوم المشع، وهو ما يشكل مصدرا آخر للتلوث".
المعادن النادرة الحيوية تشكل أهمية استراتيجية لكافة الصناعات الاستراتيجية في العالم، ولا سيما التقنيات الرقمية، وكذا التقنيات الخضراء، كالسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والألواح الشمسية.
وتشكل هذه المعادن العمود الفقري للابتكارات في التكنولوجيا المتقدمة، كما تؤدي هذه المعادن، لا سيما اللانثان والسيريوم والنيوديم، دورا حاسما في تطوير البطاريات القابلة لإعادة الشحن. في مجال المعلومات، تسهم المعادن الأرضية النادرة في تطوير ذاكرة أجهزة الكمبيوتر، فضلا عن الاستخدامات الهائلة لهذه المعادن في صناعة الهواتف الذكية، والمحركات الكهربائية.
الصين تهيمن على سوق المعادن الأرضية النادرة، "حيث تشكل حاليا أكثر من 90 % من السوق العالمي من هذه المعادن، كما تمتلك نحو 50 % من الاحتياطيات العالمية، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى الإشارة إلى أن الصين تعد أكبر منتج للمعادن الحيوية النادرة في العالم، بنسبة 70 %، بنحو 270
ألف طن من إجمالي إنتاج عالمي يقدر بنحو 390 ألف طن، إلى جانب احتكار شبه كامل للصين على مستوى تكرير هذه المعادن، بنسبة تتجاوز ال 90 %".
إلى جانب هيمنة الصين على المعادن الحيوية النادرة ال 17 ، تسيطر أيضا على كثير من المعادن
الاستراتيجية. "فالصين مسؤولة عن تكرير 73 % من إجمالي الإنتاج العالمي من الكوبالت، و 59 % من النيكل، وهي المعادن الرئيسية في صناعة البطاريات الحديثة، بالإضافة لذلك تعد الصين رائدة في إنتاج الغاليوم والجرمانيوم، وهما معدنان رئيسيان لصناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة.
الأهم من ذلك أن فكرة الوصول إلى الموارد المعدنية لا تنهي مشكلة الاحتكار الصيني لهذه المعادن، إذ "تحتاج الدول أيضاً إلى امتلاك التكنولوجيا ورأس المال اللازم، للمراحل المتعاقبة من معالجة المعادن الأرضية النادرة. ولعل المثال الأبرز في هذا الإطار يتمثل في المنجم الأمريكي الرئيسي لهذه المعادن، والذي يضطر إلى تصدير معظم إنتاجه إلى معامل المعالجة الصينية، حيث تعد الأخيرة هي الدولة الوحيدة التي تجري كافة الخطوات المتعلقة بالمعادن الأرضية النادرة، بداية من الاستخراج، وصولا للمعالجة والتنقية والتكرير، ما يجعلها شبه محتكرة لعملية تكرير هذه المعادن".
على مدى السنوات الخمس الأخيرة، "أصبح التنافس على المعادن الاستراتيجية، بما في ذلك المعادن الحيوية النادرة، محورا رئيسيا في صراع القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، حيث تشكل هذه المعادن مكونا حاسما لإنتاج أحدث التقنيات التي تدعم الاقتصاد الأخضر، بالإضافة للدفاع والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية. وفي ظل التحول العالمي السريع نحو طاقة أنظف والبطاريات والإلكترونيات المتقدمة، سيؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في الطلب على هذه المعادن".
الصين استثمرت بشكل مكثف في سلسلة قيمة المعادن النادرة بأكملها، "بداية من الاستخراج ووصولا إلى الإنتاج الصناعي. في المقابل، تشير التقارير الغربية إلى أنه لتطوير مشروع لمعالجة أي من المعادن الحيوية النادرة، بات من الصعب تصور تمويل هذا المشروع دون مشاركة صينية، في ظل التكنولوجيا
الفائقة والخبرة والقدرات منخفضة التكلفة التي يتمتع بها الصينيون في هذا المجال".
دخلت المنافسة الأمريكية الصينية حقبة جديدة من المنافسة الاستراتيجية على المعادن الأرضية النادرة خلال الأشهر الأخيرة، في ظل الحرب التجارية الراهنة بينهما، خاصة عندما أعلنت الصين عن قواعد تصدير جديدة لهذه المعادن الأرضية في أبريل 2025 ، ردا على التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي على بكين، وتضمنت هذه القواعد الجديدة "منع الشركات الأجنبية من الحصول على تراخيص لسبعة عناصر أرضية نادرة ومشتقاتها، كما يطلب من المصدرين تقديم معلومات مفصلة عن الاستخدام النهائي للمنتجات المراد تصديرها والمستخدمين النهائيين لها".
أما دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا، فتواجه العديد من التحديات فيما يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة، في ظل الهيمنة الصينية على هذه المعادن. إن استراتيجية الاتحاد الأوروبي لاستبدال الهيدروكربونات وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، ستحتاج الكثير من المعادن النادرة مقارنة بالاحتياجات الحالية، ما يعني زيادة الاعتماد على الصين في هذا الشأن. وقد بدأت القارة الأوروبية تنظر لهذه الوضعية بعين الريبة، ولا سيما في ظل اتجاه الصين لتقييد صادراتها من هذه المعادن، سواء نتيجة الحرب التجارية الراهنة، أم للزيادة المتوقعة في الاستهلاك الصيني.
هذه المعادن الأرضية باتت إذن محددا رئيسيا في تصنيع المنتجات عالية التقنية، حيث تدخل في غالبية الصناعات الاستراتيجية، ولا سيما أربعة قطاعات صناعية تشكل 10 % من الاقتصاد العالمي، تتمثل في القطاع الرقمي، بما في ذلك الهواتف لذكية والشاشات والأقراص الصلبة، وقطاع الطاقة، بما في ذلك محركات السيارات الكهربائية والهجينة وتوربينات الرياح، والقطاع الطبي، والقطاع العسكري. ويتوقع أن تتزايد الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادن النادرة خال الفترة المقبلة، ولا سيما في ظل تصاعد حدة الحرب التجارية بن الولايات المتحدة والصين.
نافذة "قرأت لكم"
5 فبراير 2026