Aller au contenu principal

"غرب المتوسط مركبا أمنيا. مبادرة 5+5، دفاع وديناميات الأمن والهجرات"

عبد النور بن عنتر، مركز الجزيرة للدراسات، 2023، 290 ص.

 

البحر المتوسط مثل خط، يصل ويفصل في آن معا. وتتسم تشكيلته الإقليمية غير المتجانسة والمتعددة بالفرادة، إذ الدول في ضفته الشمالية مندمجة من الناحية الاستراتيجية ومتكاملة من الناحية الاقتصادية، في حين تشكو ضفته الجنوبية من التشظي ومعاداة بعضها البعض. لم تعد الحرب واردة شمال المتوسط، لكنها متواترة ولا تزال قائمة بجنوبه: بالشمال، فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، منخرطين في تحالفات اقتصادية وعسكرية، وبالجنوب ليبيا ومالطا وموريطانيا والمغرب وتونس، لم تنجح في إقامة تحالفات في حدها الأدنى.

 

إن غرب المتوسط هو مركب أمني بامتياز بنظر الكاتب. إذ كل شيء قد تمت أمننته (تنمية، هجرة، حدود...الخ)، وبات البعد الأمني هو المحدد للسياسات العمومية بالشمال كما بالجنوب.

 

إن البحر المتوسط، يقول فرناند بروديل، ليس بحرا. إنه سلسلة من المسطحات المائية التي يتواصل بعضها مع بعض عبر بوابات متعددة. ثم إنه سلسلة من البحار الضيقة: البحر/الأم الذي يربط مضيق جبل طارق/جنوب أوروبا، ببلدان المغرب العربي. ثم البحر الأدرياتيكي، الذي يربط إيطاليا بالبلقان. ثم بحر إيجه الذي يجمع اليونان وقبرص وتركيا. ثم شرق البحر المتوسط، حيث الدول العربية وفلسطين المحتلة.

 

هذه البحار/الأم هي أقاليم فرعية تشكل مجتمعة ما تم التعارف عليه باسم البحر الأبيض المتوسط. ولذلك، فإن أمن هذه البحر هو من الأمن بين مجموعة 5 + 5 التي تمثل ما يسميه الكاتب ب"الفضاء الأمني الإقليمي الأورو/متوسطي".

 

بيد أن ذلك يستوجب تثبيت اتحاد المغرب العربي حتى يكون كتلة موحدة كما المحال بالنسبة لبلدان شمال المتوسط. وهو ما لا يبدو قائما، على اعتبار عدد القضايا الشائكة التي تميز العلاقات بين بلدانه، ناهيك عن توقف عجلة اتحاد المغرب العربي.

 

إن مفهوم الأمن والحالة هاته، هو بنية مركبة من مكونين اثنين: أنماط الصداقة أو العداء، ثم توزيع القوة بين الدول الرئيسية في الإقليم.

 

أنماط الصداقة والعداء هي التي تضم النزاعات الحدودية والمصالح المتعلقة بالقضايا الإثنية، ثم الروابط التاريخية، ناهيك عن الروابط التاريخية. ولعل العامل الجغرافي هو إحدى العوامل التي تؤثر في هذه الأنماط وترسم ملامحها المستقبلية. إنه العامل الذي يحدد طبيعة عملية الأمننة، وكلما كان بلدان ما قريبين، كلما كانت التفاعلات الأمنية بينهما قوية ومركزة. كما أن التهديدات الأمنية تكون أقوى عندما تكون المسافات بين بلدين ما، قريبة ومتجاورة.

 

أضف إلى ذلك أن الأبعاد السياسية متباينة بين الطرفين: فضاء ديموقراطي بالشمال، وفضاء شبه تسلطي بالجنوب. وهذا من شأنه أن يؤثر في المركب الأمني المراد إقامته بين الطرفين. كما أن وجود أحلاف بالشمال، من قبيل حلف شمال الأطلسي مثلا، لا يوازيه وجود مثيل في الجنوب، لا بل نكاد نلحظ أن العلاقات بين المغرب والجزائر مثلا، تكاد تكون عدائية، مشارفة على الاحتراب.

 

وعلى الرغم من كون بلدان الجنوب لها تقريبا نفس العلاقات مع شمال المتوسط (مجموعة 5+5، عملية برشلونة الحوار الأورو/متوسطي...الخ)، فإنها لم تنجح إلا نسبيا في تخفيف حدة المناخ الإدراكي السلبي الذي يميز ضفتي المتوسط.

 

ويلاحظ المؤلف أن المنطقة تميزها مجموعة سمات صراعية لعل أقواها: الصراع العربي/الإسرائيلي والصراع بين اليونان وتركيا والصراع بين إسبانيا والمغرب (الصحراء، سبتة ومليلية). بيد أنها تبقى بؤر صراع محلية ولم تتجاوزه للنطاق الإقليمي إلا في حالة إسرائيل. إن الصراع العربي-الإسرائيلي هو بؤرة التوتر الوحيدة التي تخترق الإقليم المتوسطي بحق وتتجاوزه برمته لتؤثر في النظام الدولي. إنها النقطة السوداء في إشكالية الأمن بغرب المتوسط.

 

نافذة "قرأت لكم"

3 شتنبر 2026

Vous pouvez partager ce contenu