وليد عبد الحي، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، مارس 2026، 18 ص.
الصين والولايات المتحدة هما القوتان أو القطبان، الأقوى في محصلة مجموع مؤشرات القوة، لكن تسارع التقدم في أغلب مؤشرات القوة يميل لصالح الصين على حساب تلكؤ أو تراجع مؤشرات القوة الأمريكية.
ما هي الرؤى النظرية التي تقف وراء الصعود الصيني؟ يتساءل الكاتب.
لقد أعاد الصينيون النظر في وحدة تحليل العلاقات الدولية، ومناهج تحليل الظواهر الدولية، ومنظومة القيم الحاكمة للتفاعل الدولي، لكن بالبناء على تراثهم الفلسفي والثقافي. ثم إن "حدود العلاقة بين النخبة الفكرية ودوائر صنع القرار السياسي في الصين متماهية إلى حد بعيد، إذ الرؤى الاستراتيجية النظرية التي يطرحها المفكرون الصينيون هي المرشد للسلوك السياسي الميداني الصيني". لذلك، يرى الكاتب أنه من المهم عرض أفكار كبار المفكرين الصينيين للنظر في مدى تأثيرهم في صناعة القرار.
ينطلق شيويتونغ مثلا، في رؤيته للعلاقات الدولية، من نقد أحد أركان النظريات الغربية، خصوصا النظرية الواقعية، بشقيها الكلاسيكي والجديد. إذ بصرف النظر عن وزن القوة، فإن "الصعود أو الهبوط في المركز الدولي للدول مرتبط بالقيادة القوية التي تسعى للتقدم من منظور أخلاقي"، وليس بالضرورة من منظور مادي ومعياري. إنه يصبو إلى الجمع بين الواقعية والأخلاقية في العلاقات الدولية.
وهذا يعني الانتقال من السياسة القائمة على القوة المادية، إلى النموذج القائم على "القيادة المتسلحة
بالمنظور الأخلاقي". وهو ما يظهر في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذ تدفع الأولى بالقوة المجردة عن الأخلاق في مجال المصلحة، عكس ما تصبو إليه الصين.
لذلك، يستبعد البروفيسور شيويتونغ انتصار الصين وانهيار أميركا بسبب سلوك الصين، بل بسبب عدم الاستقرار السياسي في الثانية. ويتنبأ بأن التنافس بين البلدين سيكون مركزا حول البعد التكنولوجي، وأن القطبية هي التي ستسود.
أما البروفيسور تشين ياتشينغ، فينطلق من التراث الصيني هو الآخر، والذي يراه مبنيا على التناغم، كما تنص على ذلك الكونفوشية والطاوية. إنه يرى أن الهويات والمصالح ليست ثابتة ولا مستقلة، بل هي في حالة من التشكل وإعادة التشكل والتحول وفقا لشبكة العلاقات المتبادلة بين الأطراف أو مكونات البنية.
لذلك، فهو يرى أن صعود الصين إنما متأت في جزء كبير منه، من تركيزها على قيم "التشارك في المكاسب وإدراك المصير المشترك للبشرية". إنه يركز على المنظور غير الصفري، المبني على القيم والنزعة الإنسانية. إن منظور تشين يميل إلى "تقييم العلاقات بين الدول في مختلف جوانب التفاعل، على أساس درجة التناغم، وليس درجة الصراع أو التفوق".
أما البروفيسور وانغ ييوي، فيرى أن مبادرة الحزام والطريق، كنموذج تطبيقي، ليست مشروعا اقتصاديا أو جيو/سياسيا فحسب، بل هي نموذج جديد "للتحديث والعولمة" كنقيض للنموذج الغربي القائم على الاستعمار والهيمنة. إنها في نظره، مبنية على الربح المشترك وعلى المنظور غير الصفري، الذي يراعي المشترك بين البشر أجمعين.
وهو ما سار عليه البروفيسور تشنغ بيجيان، الذي يرى أن صعود الصين لا يمكن أن يكون على النمط الغربي، لأن الاختلاف اختلاف أخلاقي. الواقعية الأخلاقية بنظره، هي التي تحكم السلوك الصيني، وبها تضمن ازدهارها وتفوقها في المستقبل.
أما البروفيسور ليو يوجين، فيناقش مسألة "الأمننة المفرطة"، والتي يتم بموجبها المبالغة في تصور التهديد، واعتباره وشيكا وشاملا ومدمرا للكل. وهو ما يفرز نزعة العمل على استباقه والحد منه، على الرغم من أنه قد يكون مجرد تصور افتراضي. إنه في نظره "سوء إدراك"، لا سيما فيما يتعلق بالإرهاب والخطر الصيني والإيديولوجيا، وما سوى ذلك. وهو ما يبرر اللجوء للقوة المفرطة كما تقوم به الولايات المتحدة.
بالتالي، فإنه يرى أن تضخيم التهديدات هو دليل على الفشل في إدارة الأمن "نتيجة الاختلال في الموازنة بين تقييم المخاطر وتنسيق السياسات وأولويات التنمية، وهو ما يعني وجود خلل في القدرة المؤسسية للدولة". وعليه، فإن عدم الاستقرار في وحدات المجتمع الدولي إنما مرده عدم التناسب بين الخطر المفترض واستراتيجيات مواجهته
بالمحصلة، فإن مرتكزات الأدبيات السياسية الصينية، كما يقدمها أبرز منظريها، تقوم على المحاور
التالية:
°- غلبة المنظور غير الصفري في العلاقات الدولية، مع الاحتكام للأخلاق كبعد أساسي في إدارة هذه العلاقات،
°- اعتبار التنمية بعدا مركزيا يعلو على فكرة الهيمنة،
°- تكريس مقام الدولة كفاعل أخلاقي، تتطلع لخدمة المصلحة، لكن دون تطلع للهيمنة،
°- اعتبار الأمننة المفرطة خطرا على السلم العالمي، لا سيما لو كانت التهديدات افتراضية أو مجرد محتملة.
ويخلص الكاتب إلى القول بأنه على العرب ربما، أن يدقوا باب الصين، لأن الرهان على الولايات المتحدة الأميركية لم يعد مجديا كثيرا.
نافذة "قرأت لكم"
17 شتنبر 2026