Aller au contenu principal

"الدولة الوطنية والعولمة: محاولة في آلية وطبيعة الارتباط"

news-details

  1- هناك، فيما يبدو، ثلاث ملاحظات أولية لا بد من سياقها في المدخل رفعا لكل لبس ودرءا لكل التباس:

 + الملاحظة الأولى وتتمثل في القول بأن الدفاع عن العولمة أو مناهضتها أو الاحتجاج ضدها هو، إلى حد ما، حكم وموقف قيمة وليس حكما موضوعيا. لأن هذا الموقف لا  يغلب فقط زاوية الرؤية المعتمدة (عوض اعتماد المعطيات الموضوعية لمقاربة الظاهرة كمدخل لفك آليات اشتغالها) بل ويصبغ عليها بعدا إيديولوجيا غالبا ما يحول دون التنظير للظاهرة بعدما تكون مكوناتها الكبرى قد استقرت وآثارها قد رصدت وتوجهاتها قد رسمت.

 وعلى هذا الأساس، فبقدر ما لا يجب تضخيم الظاهرة، بقدر ما لا يجب أن ننتقص من مفعولها، إذ وجب فهم الظاهرة وفهم آليات اشتغالها وطبيعة علاقاتها بالمكونات المؤسساتية الأخرى وضمنها دون أدنى شك الدولة الوطنية. هذه ملاحظة مركزية فيما نتصور ليس فقط لأنها تشي بمحدودية الأحكام المطلقة (من قبيل "نهاية التاريخ" و "نهاية الجغرافيا" و "نهاية السياسة" وغيرها)، ولكن أيضا لأنها تضع الإشكال المطروح في سياقه العام وصيرورته النظرية.

 + الملاحظة الثانية وتكمن في القول بأن العولمة، بقدر ما هي توجه مستمر باتجاه تقويض مكانة ودور الدولة الوطنية، بقدر ما هي، وإلى حد بعيد، نتاج الدولة الوطنية نفسها على اعتبار أن الدولة الوطنية كانت، إلى حين عهد قريب، مكمن القرار ومصدر الاختيارات الكبرى إن لم تكن كل الاختيارات فعلى الأقل الاستراتيجي منها.

 بالتالي فبقدر ما كانت الدولة الوطنية أحد صناع العولمة بحكم اختياراتها وسياساتها والتزاماتها، بقدر ما كانت ضحية الاختيارات هاته والسياسات والالتزامات تلك: إذ هي التي "اختارت" سلك سبل اللاتقنين والخوصصة والتحرير التي صبت مجتمعة في تراجع حجمها وتقلص دورها و"انطوائها على نفسها".

 + الملاحظة الثالثة ومفادها أنه غالبا ما لا يتم التمييز ( في الأدبيات الرائجة المتحدثة في العولمة) بين ظاهرة العولمة وظاهرة الشوملة:  فالعولمة تتغيأ هيمنة منظومة اقتصاد السوق وسيطرتها على كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، في حين أن الشوملة هي تعميم كوني لهذه المنظومة وتوسيع "كوكبي" لذات السيطرة.

 ومعنى هذا أنه حينما تنتصر منظومة اقتصاد السوق ومرجعية رأس المال وتغزو كل مناطق وجهات العالم (بما فيها الفضاء الكوني المحيط بنا) ويتراجع دور الدولة إلى مستواه الأدنى، حينها سنكون بإزاء شوملة وليس بإزاء العولمة الحالية التي لا تكاد تكون في أحسن الأحوال قطبية التوجه وجهوية المنطوق.

 2- ما المقصود بالعولمة وما طبيعة العلاقة بينها وبين الدولة الوطنية؟ وما التحديات التي يطرحها كل طرف من المعادلة على الطرف الآخر؟

 قد يضيق المجال هنا للحديث في العولمة من زاوية صيرورة النظام الرأسمالي أو صيرورة نظام التراكم بداخله. وقد يضيق أكثر إن نحن حاولنا ربط الظاهرة (ظاهرة العولمة) بظاهرتين سابقتين لها هما ظاهرتي التدويل و تعدد الجنسية.

لكن الثابت هو أن ظاهرة العولمة، في محدداتها الكبرى، في مضمونها، في جوهرها وفي مكوناتها العضوية هي ظاهرة اقتصادية بامتياز: جذورها اقتصادية ومكوناتها اقتصادية وأطراف معادلاتها الكبرى اقتصادية وفضاء اشتغالها اقتصادي.

 لكن المفارقة الأساسية هو أن تبعاتها وانعكاساتها ووصاياها الكبرى غالبا ما تتفرع لتطال لا الاقتصاد فحسب بل وكذلك الثقافة واللغة والخصوصية ونظم القيم وغيرها.

ليس للثقافة أو للغة أو للخصوصية أو لنظام القيم، في هذا السياق، فضاء مستقل أو منظومة قائمة الذات بل ينظر إليها في كونها رافدا (ليس إلا) من روافد العملية التراكمية لرأس المال ومسوغا من مسوغات نمط الاستهلاك الذي تدفع به العولمة لأن يكون النمط الواحد و"الموحد" على النطاق العالمي.

 وعلى هذا الأساس فالظاهرة ليست من الجدة أو الحداثة التي يدفع بها العديد من الدارسين في تحديدهم لها، إذ هي مسبوقة منذ زمن طويل، بمراحل تكثفت خلالها تيارات السلع والخدمات والرساميل والتكنولوجيا والمعارف العلمية والتقنية ولربما بما هو أكثر توسعا من المرحلة الحالية.

 ثم أن فاعليها (فاعلي العولمة أقصد) من شركات متعددة الجنسيات ومؤسسات عابرة للقارات وغيرها، ليسوا دخلاء  على الفترة الراهنة الموصوفة بالعولمة، بل كان لهم باع طويل، منذ خمسينات القرن الماضي على الأقل، في صياغة توجهات الاقتصاد العالمي إنتاجا  وتوزيعا  وقوة علمية وتكنولوجية وما إلى ذلك.

 لن تكون ظاهرة العولمة، من هنا، ظاهرة جديدة أو حديثة العهد إلا إذا كان المقصود بها "مجموع المسلسلات التي تمكن من إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها انطلاقا من هياكل تنظيم عالمية، منظمة وفق قاعدة عالمية، من أجل أسواق عالمية محكومة بمقاييس ومعايير عالمية...والشركات التي تنتجها لا تخضع لتصور وطني بل لاستراتيجية عالمية ...ولا تخضع بالتالي لأية مرجعية وطنية يصعب معها تحديد إطارها القانوني أو التجاري أو الاقتصادي أو التكنولوجي بحكم كثافة التداخلات وكثرة التشابكات التي تميز نشاط هذه المؤسسات قبل عملية الإنتاج وبعدها".

 من الوارد، على هذا الأساس، أن تكون ظاهرة العولمة جديدة أو حديثة العهد من حيث أصولها وطبيعة منشئها، لكنها تبقى جديدة من حيث فلسفة اشتغال الفاعلين فيها (واتساع الفضاء ذاته) وطبيعة الآليات التي تربط علاقاتها وتفاعلاتها.

 3- الحاصل، من جهة أخرى، أن هذه المسلسلات (والظواهر الثلاث بوجه عام) هي مسلسلات متكاملة ومتواصلة ولا قطيعة بينها تذكر، إذ كلها تشتغل في إطار الحركية العامة المتمثلة في التراجع التدريجي لمبادئ وقواعد وأنماط تنظيم وتقييم الموارد المادية واللامادية المتمحورة، إلى حين عهد ليس ببعيد، حول وحدانية ونسقية النظام السائد أي النظام الوطني.

 بالتالي فالنظام إياه (وبداخله الدولة الوطنية) لم يفقد فقط جزءا من طبيعته المرجعية مع ظاهرة التدويل (لفترة القرن التاسع عشر) ولا فقط جزءا آخر من هذه الطبيعة مع عملية تعدد الجنسية (المؤرخ لها بخمسينات القرن الماضي) بل فقد الحصة الكبرى من هذه المرجعية مع ظاهرة العولمة وسيفقد لا محالة البقية الباقية مع نظام الشوملة.

 معنى هذا أن النظام الوطني لم يعد هو المستوى الاستراتيجي (وإن كان لا يزال أحد المستويات الهامة) في تحديد طبيعة وتوجهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو في رسم مخططات التطور الاقتصادي أو في توجيه وتيرة الإبداع التكنولوجي.

هذا المستوى تحول تدريجيا لفائدة فاعلين جدد (الشركات العابرة للقارات) يتحكمون إلى حد كبير في حال ومآل الاقتصاد العالمي بحثا علميا وتطويرا تكنولوجيا وإنتاجا صناعيا ومتاجرة...ويحتكمون إلى أرقام معاملات تتعدى الناتج الداخلي الخام للعديد من الدول بما فيها الدول الصناعية الكبرى نفسها.

 ليس مثار استغراب من هنا إن كانت القرارات الكبرى، زمن العولمة، هي بين يدي هذه المجموعات الضخمة المدولة والمتعددة الأنشطة والتي لا تعترف بما قد يكون فضاءات وطنية أو سياسات اقتصادية وطنية أو ثقافات وطنية أو غيرها، بل تصهرها مجتمعة في استراتيجيتها المنبنية على توسيع فضاء الإنتاج وتسريع دورة رأس المال والدفع بنظم الاستهلاك إلى أقصى حدوده.

 بالتالي، فالدولة الوطنية لم تعد متبوعة بل أضحت تابعة ومتواطئة، إلى حد بعيد، مع فاعلي العولمة الكبار: تفتح لهم الأسواق عبر الدبلوماسية، وتشجع مراكزهم عبر منحها للبحث والتطوير التكنولوجي وتدافع عن مصالحهم ضد بعض القوانين التي من شأنها أن تكون حجر عثرة في وجوههم... من قبيل قوانين الشغل ومطالب النقابات وقوانين الضرائب وغيرها.

هي سلط جديدة لم تكتف بتجاوز دور الدولة والتحايل على أدوارها، بل تعمل أيضا على المأسسة لحقها في متابعة الدول والحكومات التي لا تفتح لها الأبواب أو تحتكر الامتيازات لصالح شركاتها.

 وهي قوى جديدة لا تتوانى في إملاء شروطها على المنظمات المالية الدولية فحسب، بل تتعداها إلى اجتماعات منظمة التجارة العالمية ومؤتمرات الأمم المتحدة ذات الصلة بنشاطاتها ولقاءات الدول الصناعية الكبرى: فهي تدفع باقتصاد السوق إلى أقصى حدود له وبحرية المنافسة بكل القطاعات وبلبرلة الأسواق بكل البلدان وبخوصصة المؤسسات العمومية حتى ما يعتبر استراتيجيا وحيويا منها.

 4- الدولة الوطنية أصبحت إذن رهينة القوى الاقتصادية هاته (الخارجة عن فضاء قراراتها) ورهينة فضاءات أوسع (التكتلات الجهوية) التي لا تتوانى في تضييق الحصار على "الأنظمة الوطنية" أو ما تبقى منها.

 صحيح أن "الدولة الوطنية"، في العديد من جهات العالم، لا تزال مكمن إنتاج الثروة ومصدر التشريع والتقنين الاقتصادي والاجتماعي، لكنها تفعل ذلك تحت إكراهات الفاعلين الكبار الذين تعتبر الدول (دول منشئهم) نجاحهم نجاحا لها وبريقهم من بريق اقتصادها "الوطني" والعكس بالعكس.

بالتالي فدولهم هاته لا تتوانى (داخل "حدودها" كما بباقي دول العالم) بتقويض كل ما من شأنه أن يحول دون الزيادة في إنتاجيتهم أو ربحيتهم أو قدرتهم التنافسية أو حريتهم على تحريك رأس المال وقوى الإنتاج.

 لهذا السبب ولغيره أصبحت الدولة عرضة للاحتجاج ليس فقط من لدن النقابات التقليدية (التي تكسر عودها وتم تجاوزها كفضاء للدفاع عن المصالح الفئوية) ولا من لدن الأحزاب السياسية التي لم يتسن لها بعد الوصول إلى سدة السلطة، بل وأيضا من لدن منظمات مدنية وسياسية من أطياف مختلفة وتيارات فكرية وإيديولوجية (بدافوس وبراغ وسياتل وغيرها) تطالب بأنسنة العولمة وسن "مراقبة مواطناتية" على ممارسات وسياسات فاعلي العولمة الكبار ودول منشئهم.

 ولا تقل عن احتجاجات هؤلاء احتجاجات "الفضاءات المحلية" ومطالب الأقليات العقائدية والإثنية ذات "الارتباطات الوطنية" وغيرها. بالتالي فالدولة الوطنية لم تعد مخترقة من الفوق فحسب (من لدن الشركات الكبرى ودولها والمنظمات العالمية أساسا)، بل أضحت موطن احتجاج "من تحت" أي من لدن مدن وبوادي وجهات لم تعد ترى في الدولة إياها ممثلا أو مدافعا عن مصالحها.

 صحيح أن الاحتجاجات والمظاهرات المناهضة للعولمة تتم، في جزء كبير منها، من داخل "النظام الوطني" لا من خارجه، لكنها مع ذلك تشي، بما لا يدع مجالا للشك، بتراجع دور الدولة في امتصاص الغضب النابع من بين ظهرانيها... ضدها وضد الفاعلين الذي تطلب ذات الدولة ودهم في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل وما إلى ذلك.

 من هنا فلم تبق الاحتجاجات إياها موجهة فقط  ضد ديكتاتورية الأسواق وطغيان رأس المال، بل وأيضا ضد "الدولة الوطنية" التي لا تتوانى في ترك ذات الأسواق تنفرد بالأفراد والجماعات والمدن والجهات وغيرها دونما إمكانية لهم في الدفاع أو الصمود.

 هو إذن تحدي ضخم رفعته العولمة على الدولة الوطنية: فهو لا يطال فقط دورها ووظيفتها الحالية، بل سرعان ما سيطال تدريجيا طبيعتها وشرعيتها في المستقبل.

  مداخلة بندوة "الشباب وتحديات العولمة"، الدورة السادسة للجامعة الصيفية للشبيبة الاشتراكية، بوزنيقة، 3 شتنبر 2001، جريدة بيان اليوم السابع، 5-11 أبريل 2002

Vous pouvez partager ce contenu