Aller au contenu principal

"يحيى اليحياوي: الهمة مظهر من مظاهر ترتيب القادم"

أنا لست متأكدا حقيقة من أنه كان ثمة صفقة من نوع ما، بين علي الهمة والملك. الصفقة تفترض طرفان على مستوى معين من موازين القوة، وهو ما لا مجال لاستحضاره بهذه الحالة، لأن الملكية بالمغرب لا تتعامل على أساس من مبدأ الصفقات، بل تعمد إلى ترتيب الأمور، والبحث فيما بعد، وفيما بعد فقط، عن المنفذين، أشخاصا كانوا أم أحزابا أم ما سواهم. وهي هنا غير مستعجلة من أمرها.

بالتالي، فأنا أتصور أن ذهاب علي الهمة من الداخلية (أقول ذهاب وليس إقالة أو استقالة) إنما يدخل في سياق ترتيب لمرحلة قادمة لا شك، قد نختلف حول توصيفاتها ومداها الزمني وبنيتها النهائية، لكننا لا يمكن أن نختلف حول كونها آتية لا محالة، وقد بدأت بعض ملامحها تظهر من خلال التحاق الشخص بحزب مهترئ، كاد القائمون عليه على حله في أعقاب انتكاستهم بانتخابات السابع من شتنبر الماضي.

وأتصور أيضا أن الترتيبات من هذا القبيل ليست جديدة بتاريخ المغرب الحديث، فقد تم تجريب الترتيب ذاته حينما استنبتت أحزاب هجينة (بزعامة رضا كديرة، ثم أحمد عصمان، ثم المعطي بوعبيد، وغيرهم)، منحت لها الأغلبية قسرا بالانتخابات، ودفع بها لتنفذ سياسات منبنية على ترتيبات كانت قائمة.

ليس لعلي الهمة مشروع سياسي، هو ذاته يعترف بأن مشروعه هو مشروع الملك، لن يعمل إلا على ترجمته بأرض الواقع، بأدوات لربما متجددة بالقياس إلى أدوات أحزاب مهترئة، متهالكة، غير ذات نجاعة، ولا تشتغل بوتيرة اشتغال الملك.

أما القول بأنه يعتزم قطع الطريق على الإسلاميين وعلى الصحافة المستقلة، فلا أعتقد بذلك حقيقة، اللهم إلا إذا كان المراد الإجهاز على ما بقي من حراك سياسي، وفرض نموذج أحادي في التفكير والفعل والحركة. أنا أزعم أن الحركة الإسلامية بالمغرب بمعظمها معتدلة، ولا تنافس القصر، أو تزايد عليه في الصلاحيات. على العكس، فهي تعترف له بالفضل في صون قضايا الدين والدنيا. بالتالي فلا خطر يمكن أن يأتي منها، سيما وأنها تراهن على العمل جنبا إلى جنب مع الملك، ولا ترفع مطالب مزعجة، دعك من بعض التنظيمات التي لا تزال تزايد باسم الدين، أو تتبنى المواجهة المباشرة مع النظام. بهذه الحالة، النظام يستخدم معها العصا بجهة التطويع.

بالمقابل، فإذا كان بإمكان علي الهمة أن يؤسس لمجموعة إعلامية (ولن تنقصه السبل بهذا الباب)، فهو لا يستطيع إلغاء مد ما أسميته بسؤالك بالصحافة المستقلة، اللهم إلا إذا كان الترتيب القائم يستهدف إعدامها جملة وتفصيلا، والاستكانة عنها ب"الصحافة الإدارية".

العمل السياسي يفترض حدا أدنى من التناقض الطبيعي بين الأفراد والجماعات، وإلا فهي النمطية بأعلى مراتبها. والعمل الصحفي أيضا يشترط حدا أدنى من الرأي والرأي المضاد والتدافع، وإلا فسيساق الناس كالبهائم، ونعيد من هنا إنتاج منظومات التهليل للرأي الواحد، ونقتل الحاجة إلى السياسة وإلى الصحافة.

إذا كان الغرض مما سيعمل علي الهمة على تنفيذه هو تبخيس العمل السياسي، عبر الدفع بمبدأ أن لا برنامج يعلو فوق برنامج "حزبه"، وألا صحافة تعلو فوق صحافته، فسيضيق بنا العيش حقيقة بهذا البلد، بدرجات قد لا تطاق.

أما عن قدرة الشخص في اختراق منظمات "المجتمع المدني"، فأظن أن ذلك ممكنا، سيما والرجل ذو حضوة كبيرة لدى رئيس الدولة. هذه المنظمات بالأصل وبمعظمها، ضعيفة للغاية، وسهلة الاستقطاب، خصوصا وأنها تبحث لها عن موطئ قدم في زمن الكل يتسابق على غنيمة السلطة والثروة، والقرب من مركز القرار. أنظر كيف كان جزاء "فنانة من المجتمع المدني" عاشت بفلك إحدى تنظيمات "اليسار"، فباتت وزيرة دون انتماء سياسي، بزيارة قصيرة لصخور الرحامنة.

مخطئ من يراهن على أناس من هذه الطينة، لبناء مقومات مجتمع مدني لا تغريه المناصب، أو يعتريه النفاق من بين يديه ومن خلفه.

المشعل، 18-24 أكتوبر 2007     

 

 

 

Vous pouvez partager ce contenu