Aller au contenu principal

"الشركات متعددة الجنسية وسيادة الدول"

إبراهيم محسن عجيل، أطروحة، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، فبراير 2009، 128 ص.

1- بمقدمة البحث، يقول الكاتب: إن المتغيرات الراهنة في النظام الدولي، تثير "التساؤلات حول مصير السيادة الوطنية للدولة، هذه السيادة، التي تعتبر إحدى أهم المقومات الأساسية التي تبنى عليها نظرية الدولة في الفكر السياسي والقانوني، وإحدى أهم أسس التنظيم الدولي، التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوقها وواجباتها. فهناك من يبشر بنهاية السيادة، ومن ينظر بتقليص السيادة أو بنسبيتها، ومن يدافع عن استمرارية السيادة".

2- بالفصل الأول ("السيادة في النظام الدولي المعاصر")، يعتبر الكاتب أن الدولة هي "صاحبة السلطة العليا والنهائية في أي إقليم في العالم، ولا يوجد إزاءها سلطة تمثل سلطتها من شمول. لذلك يعتبرها الكثير من المفكرين السياسيين منظمة المنظمات، لأنها تحمل في داخل وطنها أو إقليمها، لواء وشمولية السلطات على الأفراد الذين يعيشون داخل حدودها. كما أنها هي القائمة على تنمية علاقاتها الخارجية مع دول الأقاليم الأخرى. ومادامت الدولة هي المنظمة العليا، أو لنقل السلطة العليا، أو منظمة المنظمات، فإن لديها ما يمكنها من استصدار القوانين العامة، والأنظمة المطلوبة لجميع فئات الشعب، ممن يعيشون داخل إقليمها. لهذا فقد اعتبرت الدولة القائم الأول على وضع كل الوسائل، لتنظيم السلوك البشري داخل إطارها العام".

يحصر الكاتب ثلاثة أدوار للدولة: دور الدولة باعتبارها نظاما سياسيا لصنع القرار (دولة صنع القرار)،  ودور الدولة باعتبارها موفر للسلع الجمعية والتوزيعية (دولة الإنتاج)، ودور الدولة باعتبارها مستودع ومنشىء ووسيط المصالح المجتمعية (الدولة الوسيطة).

إن لمبدأ السيادة وجه داخلي، يقول الكاتب، كونه ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها، داخل إقليمها، بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول، والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني، والسلامة الإقليمية لكل دولة، وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية.

كما يميز الكاتب بين السيادة المشروعة بواسطة القانون، والسيادة الفعلية القائمة بحكم سيطرة الأمر الواقع، "فالأولى تمارس داخل حدود الدولة، باستثناء ما تحد من سلطاتها بإرادتها، من خلال اتفاقيات تعقدها مع دول أخرى، تسمح لها بممارسة بعض النفوذ داخل حدودها. أما السيادة الفعلية بحكم الأمر الواقع، فيندر إيجاد سلطة كاملة لحكومة دولة ما، على كل ما يحدث داخل حدودها السياسية، ويعود ذلك إلى زيادة التفاعل والتداخل بين الدول، لا سيما بسبب الاعتماد الاقتصادي المتبادل".

ويلاحظ الكاتب أن الدولة ذات السيادة، "ما هي إلا نظرية قانونية، يتم تعديلها بناء على المتغيرات والتطورات الدولية، حيث فشلت الدولة في عالمنا المعاصر في حماية سيادتها الإقليمية، وذلك بفعل عوامل عديدة، منها التطور الكبير في العلاقات الاقتصادية الدولية، وثورة الاتصالات، والثورة العلمية الضخمة والسريعة، جعلت من العسير التخطيط لمواجهة حقائق المستقبل، نظرا لعدم ثبات الجديد، وكذلك تدهور قابلية القدرات الدفاعية الإقليمية، في مواجهة انتشار الأسلحة الفتاكة العابرة للحدود، وهو ما فرض إحلال سياسة الأمن الجماعي المتجدد محل الأمن الإقليمي الجامد. لقد أضعفت مجمل هذه التطورات الدولة الوطنية، ودفعت إلى نشوء مفاهيم وعلاقات جديدة بين الدولة ومواطنيها".

بالمقابل، فقد أدى التقارب بين الدول، إلى تقوية الإحساس بفكرة المصلحة الدولية المشتركة، "التي أنتجت تغيرات في بنية القانون الدولي، وبالذات مبدأ السيادة. فقد قبلت الدول بموجب المواثيق الدولية، تغيرات جوهرية على مبدأ السيادة، وتقبلت مبدأ علو المصلحة الدولية على المصالح الوطنية الفردية، الأمر الذي أقتضى وضع قيود على مبدأ السيادة الوطنية، سواء في تحريم اللجوء إلى الحرب، أو الاعتراف بالحقوق والحريات الأساسية للأفراد، أو بدور المنظمات الدولية في العلاقات الدولية وغيرها، إضافة إلى القبول الصريح والمتزايد لمبدأ علو الاتفاقيات الموقعة مع الدول الأخرى، على نصوص الدساتير الوطنية".

إن الاعتراف بمنطقة الحقوق الوطنية، إنما أخذت، بنظر الكاتب، تنحسر لصالح منطقة الحقوق الدولية، التي أخذت تتسع تدريجيا، بسب الاعتبارات التي أخذت تضغط على الجماعة الدولية، للتدخل في منطقة الصلاحية الوطنية، حفاظا على مصلحة السلام الدولي. وقد ظهرت نتائج هذا التدخل باتجاهين: "الأول، اتساع نطاق الحقوق الدولية، الذي يعني النمو التدريجي للسيادة الدولية، والثاني التضييق المطرد لنطاق الحقوق الداخلية، بما يعني الاختفاء التدريجي للسيادة الوطنية".

أما الدولة عبر القومية، فجهازها متعدد الأركان والمراكز. فهو يرتبط وظيفيا، مع المؤسسات التي تظهر درجات متميزة للدولة كمفهوم، التي لها تواريخ ومسارات مختلفة، والتي ترتبط قديما ومستقبلا بمجموعة متمايزة من المؤسسات والبنى والمناطق: منظمات فوق قومية، سياسية واقتصادية، رسمية وغير رسمية، وتشمل الهيئات الاقتصادية (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، منظمة التجارة العالمية...الخ)، هيئات فوقية، تشمل مجموعة السبع، ورسمية، تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي...الخ، وكذلك البنى التنظيمية، الإدارية القانونية فوق القومية، المؤسسة بموجب الاتفاقات المنطقية، كاتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة، وهيئة التعاون الاقتصادي بين آسيا والباسفيك...الخ.

بالتالي، يقول الكاتب، فإن وظيفة الدولةلأمة تحولت ولا تزال تتحول تدريجيا، من صياغة السياسات القومية، إلى إدارة السياسات المصاغة عن طريق هذه المؤسسات الفوق قومية، والتي لها أثر ضخم في ذات الصياغة، ولا تتوانى في إخضاع كل الدول القومية، لقراراتها واختياراتها.

3- بالفصل الثاني ("الشركات متعددة الجنسية في ظل العالمية") يؤكد الكاتب أن هذا النوع من الشركات، نشأ أولا في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم انتشر بعد ذلك في بقية الدول الصناعية الكبرى، كأحد أهم رموز وأسس النظام الاقتصادي العالمي. وقد "حظيت هذه الشركات بدعم الولايات المتحدة خاصة، والدول الصناعية الكبرى، لأنها تعدها دعامة سياسية واقتصادية ومالية لسياسة الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى، وخاصة الدول الثماني، لبسط وفرض العولمة على السوق العالمي، والنظام الاقتصادي العالمي".

ويؤكد الكاتب بأن ما يطلق عليه الشركات متعددة الجنسيات، هي بكل المعاني السابقة شركة قومية، تحتل مكانتها أساسا في اقتصاد ومجتمع الدولة/الأم، "أي لا حكم على كل من الملكية والإدارة. فإدارة الشركات التابعة، وإجمال مجموع الشركة، تحتكرها الشركة/الأم، وتحتفظ هذه الأخيرة في يدها بكافة القرارات الأساسية، وبمهمة التخطيط والحساب والرقابة، وكذلك ملكية المشروعات الأجنبية كاملة، في الشركة/الأم". إنها شركات تعمل في ظل شروط الاحتكار للمشروعات، وليست وفقا لشروط المنافسة الحرة. وهذه الشركات على الرغم من أنها تستثمر الجزء الكبير من مواردها في العديد من الدول، وذلك بواسطة فروعها المتواجدة عبر الدول النامية، إلا أنها تظل دائما مرتبطة بهذه الأخيرة، والتي تسيطر على الغالبية العظمى من الأموال وتظل تابعة لها.

وترجع تسميتها بالشركات متعددة الجنسيات، لوجود فروع لها في عدة دول، ومن ثم تحصل على جنسية الدولة التي تقيم فيها، وتصبح بذلك المتعددة الجنسيات. وقد أشارت الإحصاءات إلى أن مجمل مبيعات ما تبين من أكبر الشركات متعددة الجنسيات في العالم، تجاوز ثلث الدخل القومي الإجمالي لدول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، كما أن الشركات متعددة الجنسيات ككل، تشغل ثمن القوة العاملة الكلية لبلدان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.            

إن ضخامة وحجم هذه الشركات، حيث تستحوذ على 80% من إجمالي مبيعات العالم، هو ما يعكس قدراتها التسويقية والإنتاجية الضخمة، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه في تسريع عجلة الثورة التكنولوجية، نتيجة لقدرتها الكبيرة على الإنفاق على عملية البحث والتطوير. ثم إنها ذات استراتيجية عالمية كلية، لا تقيم وزنا كبيرا للحدود، ولا للمصالح القومية والإقليمية، في سبيل تحقيق غرضها النهائي، "وهو زيادة أرباح رأس المال المسيطر، والمتمثل قانونا في الشركة/الأم"، على الرغم من أن هذه الاستراتيجية ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستراتيجية الاقتصادية والسياسية للدولة/الأم.

ثم إن نشاط الشركات الوليدة في المجالات المختلفة، لا يتحدد وفقا لمقتضيات السياسات القومية للدول المضيفة، ولكن تبعا لما تقتضيه مصلحة المشروع المتعدد الجنسيات، والتي تختلط بمصلحة الشركة/الأم المسيطرة. وهذا يعني أن الدول المضيفة ليست لها السيطرة الكاملة على القطاعات الاقتصادية، التي تهيمن عليها الشركات متعددة الجنسيات العاملة داخل أراضيها، وأن مركز إصدار القرارات المتعلقة بنشاط هذه الشركات، موجود خارج حدودها، الأمر الذي يهدد استقلالها الاقتصادي، بل والسياسي أيضا.

من جهة أخرى، يقر الكاتب بأن الشركات متعددة الجنسيات، تسعى دائما إلى أسواق متنامية، لتصريف ما تقدمه من سلع أو خدمات، "ويسعدها انسياب منتجاتها بين عشرات الملايين، وعبر مساحات شاسعة، دون إجراءات تصدير أو استيراد، أو مرور بالجمارك، أو ضرورة جواز سفر عليه تأشيرة دخول. ومن هنا يأتي إهمالها الكامل للأقطار الصغيرة الفقيرة، التي تشهد الانقلابات العسكرية، أو أعمال عنف سياسية، أو حرب أهلية".

4- ويخلص الكاتب بالمحصلة، إلى استنتاجين اثنين:

+ إنه من المستحيل توافق استراتيجية الشركات متعددة الجنسية، وهي بطبيعتها استراتيجية عالمية، مع استراتيجية التنمية في أي من الدول النامية، بحكم أن لكل من هذه الدول ظروفها النوعية الخاصة بها. إن الشركات متعددة الجنسية، يقول الكاتب، إنما تعنى بزيادة أرباحها عن طريق استغلال الثروات الطبيعية والأيدي العاملة الرخيصة، ولا تعنى بعد ذلك بمدى أهمية مشروعاتها للاقتصاد القومي للبلد الذي تقيم فيه هذه المشروعات.

بالتالي، فإن اختلال التوازن الكامل في علاقات القوى بين أي شركة دولية عملاقة ودولة نامية، لا يسمح بقيام مساومة متكافئة بينها، إذ قوة الشركة متعددة الجنسية تتجاوز، من ناحية الإمكانات المالية والتفوق التكنولوجي والمعلومات المتاحة، على قوة البلد النامي، مما يؤدي إلى غبن الدولة النامية في كل عقد تبرمه مع واحدة من هذه الشركات.

+ وأن الشركات متعددة الجنسية تتدخل وستتدخل لا محالة، في توجيه سياسة البلاد النامية، في اتجاه إضعاف القرار الذي لا يصب في مصالحها، وتساعد بنفوذها وأموالها، رجال الأحزاب والساسة الذين يرعون مصالحها، لصالحهم الفردي، بصرف النظر عن مصالح بلدانهم ومستقبلها.

نافذة "قرأت لكم"، 4 يونيو 2009

 

 

 

 

 

 

Vous pouvez partager ce contenu