Aller au contenu principal

"عندما يتحول العدوان على العراق من حرب إعلامية إلى حرب على الإعلام"

news-details

 لا يمكن أن تساورنا ذرة شك واحدة أن العدوان الأنجلو/أمريكي الموجه ضد العراق (جوا كما من البر والبحر) منذ العشرين من مارس، لم يخلف من الضحايا (العسكري منها كما المدني سواء بسواء) لم يخلف ما تداولته وسائل الإعلام وروجت له  شبكاته التلفزية بالصوت والصورة...إنه خلف عشرات ولربما مئات المرات ما صرح به سيما ضمن الشعب العراقي الذي تلقى قنابل الطائرات وفوهات البوارج والمدافع بصدر عار دونما "غطاء" له يحميه من هذه الضربة أو تلك، من هذه الجهة أو تلك.

 ولئن سلم المرء بأن ذات الاستنتاج أضحى بديهيا منذ "اكتشف" البشر الحرب، فإن اللافت للانتباه حقا، سيما منذ شن العدوان الأنجلو/أمريكي على العراق، أن الإعلام (بكل مكوناته) غدا وبكل المقاييس أبرز الضحايا وبالتأكيد أكبرها:

 + فهو لم يجبر (تحت هذا المسوغ أو ذاك) على صهر منظومته (سيما بالنسبة للإعلام الأمريكي والبريطاني والغربي بوجه عام) في الآلة الحربية التي تحركت، بل ولم يتوان في المساهمة في طقوس "الانتصارية والفرجة" التي تزامنت مثلا ودخول الدبابات الأمريكية لساحة الفردوس وتساوق خلفياتهما الرمزية لحظة إسقاط الدبابة لتمثال الرئيس العراقي وتصوير الآلة الإعلامية (وبالمباشر الحي) لنفر من البشر يتجاذبون أشلاء التمثال أو يتسابقون للإجهاز على أجزائه وبقاياه.

 لم تتراءى لنا، يومه، من استقلالية تذكر " للمؤسسة الإعلامية" بل تراءت لنا وهي خلف الدبابات في موكب طقوسي ندر مثيله، آية في الاستيلاب والتبعية والائتمار في شكل منظومتها وفي الجوهر.

 + ثم هو الذي ارتضى لنفسه دور التابع لا المتبوع (كما تسنى لنا معاينة عكس ذلك في سياقات أخرى سابقة)، إذ لم يعمد فقط إلى ترويج ما تسمح له به الآلة السياسية/العسكرية من أخبار ومعطيات ومعلومات وصور، بل وذهب به استلطاف ذلك درجة بدأ فيها يبجل ذات الآلة، يكن لها المديح بل ويتبناها تحت هذا المبرر أو ذاك.

 ليس غريبا إذن إذا تقاطعت الآلة الحربية في ذلك مع المؤسسة الإعلامية فاعتمدا مجتمعين شعارات (من قبيل " تحرير العراق" أو "إزالة أسلحة الدمار الشامل" أو "تخليص العالم من محور من محاور الشر"...الخ) قد لا تبدو ذات مصداقية كبرى تذكر.

 وليس غريبا البتة أيضا ألا نرى من مجريات "الحرب" لا الصور والشواهد الحية والآثار الميدانية، بل تصاريح صحفية تكفل بها عسكريون أمام عشرات الصحفيين المعتقلين بهذه القاعدة أو تلك، بهذا "المركز الصحفي" أو ذاك... أو من أفواه ناطقين من واشنطن بينهم وبين "ميدان القتال" آلاف الأميال ولا يجيبوا على الأسئلة إلا بأنصاف الأجوبة أو بأسئلة مرادفة لها وهكذا.

 + ثم هو الذي استصغر في ذاته الترفع والمصداقية وآل على نفسه التحقق أو التحقيق فأضحى، تحت هذا التبرير أو ذاك (من قبيل "الأمن القومي" أو ظروف ضمان أمن الجنود" أو ما إلى ذلك) ليصبح بوقا بيد المؤسسة السياسية/العسكرية بدولتي التحالف الأنجلو/أمريكي كما بسواه من الدول وضمنها الدول العربية.

 بالتالي، فاعتقادنا القائم إنما القول بأن ارتهان المؤسسة الإعلامية من لدن المؤسسة السياسية/العسكرية لم يتأتى من قوة هذه الثانية وتسيدها بقدر ما تأتى من ضعف الأولى وقابليتها على التبعية والارتهان.

 لن ينتابنا أدنى تردد في القول بأن العدوان على العراق (بشرا وعمرانا وتراثا وحضارة) إنما هو، بداية المطاف ونهايته، عدوان شامل استنفر التحالف الأنجلو/أمريكي فيه كل ما تسنى له من استنفار سيما الأداة الإعلامية التي اعتبرها ممهد العدوان، مبرره، مروج تموجاته و"المشرف" على انتهاء أطواره بالصوت والكلمة والصورة.

 بالتالي، فهو لم يكن عدوانا اقتصر مجاله على استهداف أرض العراق وأهلها، بل "حربا إعلامية" حورت بمقتضاها الوقائع وحرفت المعلومات وزورت "المحاضر الإعلامية" مضللة بذلك، وعن قصد مبيت، معارض العدوان كما متبنيه سواء بسواء.

 وبقدر ما قد لا يستطيع المرء المجادلة بأن ذات العدوان إنما امتطى الإعلام لتبرير وتمرير خططه العسكرية (وخطابه السياسي أيضا) واعتماد الحرب الإعلامية وسيلة لكسر معنويات "العدو" والتضييق على نفسيته ونفسية المتعاطفين معه (على أساس هذه الخلفية أو تلك)، فإن ذات المرء لن يكون بمستطاعه كذلك المزايدة بشأن الاعتقاد بأن ذات العدوان كان أيضا حربا على الإعلام من نوع جديد لا  فقط  حربا إعلامية عهدها المرء في حروب أخرى سابقة.

 هي حرب إعلامية دونما توهم كبير، وهي أيضا حرب على الإعلام انبنت منذ البدء، في تصور التحالف الأنجلو/أمريكي على ثلاثة مرتكزات كبرى:

 + هي حرب على الإعلام بامتياز ليس فقط كون العدوان على العراق استهدف، منذ اليوم الأول، تدمير وزارة الإعلام (بغرض تدمير مقر الناطق الرسمي باسم النظام العراقي)، بل وأيضا كونه استهدف محطات البث التلفزي (والقناة الفضائية العراقية تحديدا) على أساس من لدنه في الحيلولة دون أن يبقى لذات النظام إمكانية تذكر لمخاطبة مواطنيه أو تبيان ما تسنى للتحالف فعله بالبشر والحجر والعمران.

 بالتالي، فنجاح التحالف في إسكات البث الإذاعي والتلفزي العراقي عبر تدمير بنيته التحتية إنما يؤرخ، في تصورنا، لانتصار الآلة الحربية في "حربها" الضروس على الإعلام.

+ وهي حرب على الإعلام أيضا، (بعدما تزكى الاعتقاد بأنها حقا حربا إعلامية) كونها لم تتوقف عند مستوى تضليله وتمويهه وإجباره على بث ما ترضاه المؤسسة العسكرية/السياسية وترتضيه، أو انحصر مداها في درجة تطويع ذات الإعلام وضمان خطاب القائمين عليه، بل تعدى الأمر ذلك إلى حالات من العنف المادي لا يعتبر التحذير أو الطرد أو المنع من التغطية والبث إلا إحدى التمظهرات العادية من ذات العنف.

 ليس المبتغى قوله هنا تحذير هذا المنبر الإعلامي أو ذاك أو اشتكاء أمره إلى القائمين عليه (الممولين له أعني)، بل أيضا وأساسا الاستهداف المباشر الذي قد يطال ممثلية هذا المنبر أو ذاك أو يعمد لاغتيال هذا الصحفي أو ذاك.

 وعلى هذا الأساس، فلو استساغ المرء جدلا محاصرة قوات التحالف الأنجلو/أمريكي لمحطة أبو ظبي الفضائية بغرض الحيلولة دون انتقال صحفييها لتغطية ما جرى من مجازر بضواحي بغداد كما ببعض أحيائها، فإنه لن يستطيع تحت أي مبرر من المبررات، استساغة القصف الذي تعرض له مركز الصحفيين بفندق فلسطين بقلب بغداد ذهب ضحيته صحفيون من الجزيرة، من التلفزيون الإسباني كما من وكالة رويترز.

 لم "تدع" قوات التحالف، بهذه الحالة، أنها قصفت المكان خطأ بقدر ما تجنبت الأمر برمته " لتعتذر" عما جرى بعدما تسنى لها التمويه في ظل ذلك، على المجازر الكبرى التي ارتكبتها ببغداد وضواحيها.

 + وهي حرب على الإعلام بكل المقاييس كونها لا تتخذ من الإعلامي شاهدا حيا على وقائع العدوان، بقدر ما تتخذه رهينة يبث ما سلمته الآلة العسكرية/السياسية تحت تهديد فوهة المدفع أو تحت ضغط قائده بعين المكان.

 وبناء على ما ورد، فإننا نعتقد أنه لا يمكن للمرء بالعين المجردة أساسا، إلا أن يلاحظ أن العدوان على العراق إنما هو عدوان إعلامي بامتياز وعدوان على الإعلام في الآن ذاته.

إذ ركوب إعلامي ما ظهر دبابة لتغطية أطوار العدوان لن يزده مصداقية أو يرفع من قدره أمام مشاهديه... واصطفافه وراء المؤسسة العسكرية/السياسية لن يضفي على عمله قيمة مضافة تذكر، تماما كتمترسه وراء شعارات عامة يدري مسبقا أنها جوفاء...ويتبناها مع ذلك تحت هذا المسوغ أو التهديد أو ذاك.

 قد يجوز كل هذا وذاك وقد يجوز أيضا التسليم بإكراهات من طبيعة ما تمارس على هذه الشبكة الإعلامية أو تلك، على هذا الصحفي أو ذاك أو ما شابه ذلك، لكنه لا يجوز، على الأقل فيما نعتقد، عدم التسليم بأن الذي يجري منذ العشرين من مارس، إنما هو عدوان على الإعلام بكل المقاييس.

 إذا كان الأمر كذلك (وهو كذلك دونما تحفظ من لدننا)، فإنه، بتحصيل حاصل، عنوان كبير بوجود جرائم حرب إعلامية... بالتالي، فإذا تم التسليم بالوجود إياه، فمن الواجب إقامة محاكم لذلك بغرض مقاضاة  الجناة...وإذا تم التسليم والاعتراف بكل هذا وذاك، فمن المفروض أن يقدم  لذات المحكمة (بغرض المساءلة والمقاضاة) سياسيو التحالف ضد العراق  كما عسكريوه...

جريدة العلم، 16 ماي ‏2003‏‏

جريدة القدس العربي،23 ماي 2003

 

 

Vous pouvez partager ce contenu