Aller au contenu principal

"الحدود في الإسلام"

جمعة علي الخولي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 2001، 57 ص.

هذا البحث ليس كتابا بالمعنى المتداول، بقدر ما هو توضيح لمعاني الحدود في الإسلام. ولما كان كذلك، فهو يعرض لهذه الحدود كما وردت بالقرآن الكريم أو كما تم رسمها من لدن الرسول عليه الصلاة والسلام.

 يقول الكاتب بمقدمة البحث: " الحدود في الإسلام جزء من نظـام إلهي كامل، أنزله رب العالمين على خاتم رسله صلى اللّه عليه وسلم ليكون نظاما يكفل لمن أتبعه السعادة والأمان والاستقرار إلى قيام الساعة... وأساس الحدود في الإسلام أنها ضابط يحفظ التوازن بين حقوق الفرد والجماعة معا".

 ويتابع: " من حق الفرد على الجماعة تحقيق مصالحه وحفظها، وصيانة حياته ومقوماتها والعمل على حمايته ليس فقط من غيره، بل من نفسه أيضا. وللمجتمع كذلك الحق في صيانة كيانه من كل اعتداء أو مساس، وفي الحصول على حياة آمنة وادعة تتسم بالطهر والعفاف. وجميع الجرائم التي حرمها الإسلام إنما هي من النوع الذي لو ترك وشأنه لأدى إلى اضطراب المجتمع، وإشاعة الفوضى والقلاقل فيه".

إن الإسلام، يقول المؤلف، "لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة بين الناس، ولا يتخذها الوسيلة الوحيدة لذلك، وإنما يعمل على الوقاية من الجريمة ومحاربتها بالضمير الوازع، والنفس المهذبة، والسلوك المستقيم، وتوفير أسباب الحياة النظيفة لكل الناس". 

ولهذا الاعتبار، لم يرصد الإسلام عقوبة دنيوية لكل انحراف أو معصية، بل "إن هناك كثيرا من الانحرافات والمحرمات، اكتفى الإسلام فيها بأن أنذر مرتكبيها بغضب الله وعقابه، وترك تقدير عقابهم الدنيوي للقاضي حسبما يراه كافيا في التأديب والتعزير، ويتلاءم مع أثر المخالفة في المجتمع" ( مثل الكذب، والرياء، وأكل الربا، وشهادة الزور، وخيانة الأمانات، وأكل الميتة، والمحرمات، والغش في المعاملات، والتطفيف في الكيل والميزان، وعقوق الوالدين، والغيبة والنميمة... الخ).  

 أما الجرائم التي رصد لها الإسلام حدودا معينة،  " فهي جرائم محدودة، بعضها جاء به القرآن الكريم، وبعضها الآخر ورد في السنة، من قبيل السرقة والزنا والقذف وشرب الخمر والردة والبغي والحرابة وجريمة قتل العمد والقتل شبه العمد والقتل الخطأ. والعقوبة المقررة للجرائم السبعة الأولى تسمى حدا... بمعنى أن العقوبة المقررة فيها هي حق اللّه تعالى".

والقول بأن العقوبة حق اللّه يعني "أنها لا تقبل الإسقاط لا من الفرد المجني عليه، ولا من الجماعة أو ولي الأمر". هي عقوبة استوجبتها المصلحة العامة بجهة دفع الفساد عن الناس وتحقيق الأمن والسلامة لهم. أما العقوبات المتعلقة بجرائم القصاص والدية، "فلا تسمى حدا لأنها حق الأفراد، بمعنى أنه إذا عفا المجني عليه أو وليه عن القصاص أو الدية سقطا".

وعلة التفريق هنا، يقول الكاتب، ن جرائم الحدود يصيب ضررها المباشر الجماعة أكثر مما يصيب الأفراد"، أما جرائم القصاص والدية، فمع أنها تطاول كيان المجتمع، إلا أن ضررها المباشر يصيب الأفراد أكثر مما يصيب الجماعة".

والعقوبات المقررة في الإسلام عقوبات ملائمة للجرائم المرصودة لها، على اعتبار أنها شرعت على أساس محاربة الدوافع الخاصة بكل جريمة. "فهي في الزنا الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن وتغريب عام، وهي في السرقة القطع، وفي القذف والشرب الجلد".

 أما في الحرابة وقطع الطريق، فيطبق عليهم منطوق الآية الكريمة: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض".

وهي في الردة والبغي القتل، وهي في القتل والجرح العمد القصاص، وفي القتل الخطأ  الدية

وعلة التشديد في هذه الجرائم بالذات، يقر المؤلف، أنها من الخطورة بمكان، والتساهل فيها يؤدى إلى انهيار الأخلاق، وفساد المجتمعات، "إذ هي جرائم رئيسية تتصل بالحياة العامة، ولا يقتصر ضررها على مرتكبيها فقط، ولكنه يتعدى إلى الأفراد والجماعات. فالقتل العمد عدوان على الحياة التي اختص اللّه وحده بمنحها للإنسان، فهو عدوان على حق اللّه". وكان قتل النفس عمدا هو الجرم الذي لا يكفر عنه دية ولا عتق رقبة، وكان القصاص هو الجزاء العادل.

وجريمة الزنا " تشيع الفوضى الجنسية في بيئات الإنسان، وتظهر الشخص منتكسا قذرا كالحيوان، وما يترتب على ذلك من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد بنيان الأسرة والذرية. وفي السرقة عدوان على أموال الناس، وحرمانهم من الاستمتاع بأمنهم وأموالهم اللذين من حقهم أن يستمتعوا بهما. وقطع الطريق فيه ترويع للآمنين والاعتداء على أموال الناس ودمائهم، بشكل جماعي أشبه ما يكون بالعصابات المسلحة التي تستهين بالإنسان وما يملكه الإنسان".

والقذف فيه " تجريح للأعراض، وتلويث للسمعة، وإشاعة للسوء والشكوك في جو الأسر، وتلك حالات تهدد البيوت بالانهيار. وفي شرب الخمر (أم الخبائث)، سلب للعقل، كما أنها تعرض شاربها للعربدة والتعدي على حرمات الناس، وتحطم قوى الشباب، وتضر بنفوسهم وعقولهم وجسومهم".

وفي الردة " كفر بالإسلام ونظامه، وتجريحٍ له واستهانة به، وخروج على نظام الجماعة المسلمة، ذلك أن الإسلام عقيدة وشريعة، أو دين ودولة. فالخارج عن الإسلام أقل ما يوصف به أنه خارج على نظام الدولة، وهو يشبه في أيامنا هذه جريمة الخيانة العظمى، وعقوبتها الإعدام".

أما ما عدا هذه الجرائم من مخالفات، فتركت للقاضي التقدير الملائم لنوع الجريمة ولحال المجرم وسوابقه، وأيضا للسياق العام الذي وقعت فيه. 

وإذا كان البعض لا يزال يتحرج من إقامة حدود الإسلام (باعتبارها قاسية وغير مسايرة للعصر أو ما سوى ذلك)، فإن المؤلف يقدم التبرير في ذلك من أحكام الفقه ويقول:

°- "إن الذي شرع الحدود، وحدد العقوبات هو عالم الغيب والشهادة، الخبير بمسالك النفوس ودروبها، العليم بما يصلحها ويقومها. فإذا كانت الحدود من تشريع اللّه، فإن اللّه أرأف بعباده وأرحم مما يظن القاصرون، وهو أخبر بما يصلح حياتهم ويهذب طباعهم. فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة الحدود، وشدة العقوبات، لأنه ليس أبصر بمصلحة الخلق وأرحم بهم من خالقهم".

°- والمتأمل في تشريع الحدود، "يجد أن علاج النفس الإنسانية بها يتسم بالحكمة والرحمة معا: أما الحكمة فتتجلى في أن لكل جرم حدا معينا، ولكل مخالفة عقوبة خاصة دون غلو أو زيادة... فإذا أرخص الإسلام دم قاتل، فلكي يحقن ألوف الدماء ويحيط الجماعة كلها بما يحفظ عليها حياتها وأمنها".

°- إن الإسلام لا يعتمد العقوبة غاية في ذاتها، " ولكنه يراها وسيلة، ضمن وسائل كثيرة أخرى، لتقويم النفس الإنسانية وكفها عن الانحراف".  

°- إذا ضبط الجاني وجيء به إلى القاضي، فإنه لا يقيم عليه الحد فورا، بل يدرأ إذا كان  ثمة مخرج، نزولا عند قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله". 

°- إن الإسلام يوفر الضمانات الكاملة والكافية لكل متهم، فلا يؤخذ بغير دليل ثابت، ولا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من الجريمة، حتى إذا كان هناك شك أو غياب للأدلة القاطعة،  وجب العفو مباشرة.  

ففي الزنا مثلا يفترض الإقرار أو توفر أربعة شهود رجالا يقرون برؤية الفعل، فإذا لم يتكامل العدد وأصر واحد أو أكثر على قولهم، اعتبر من أصر قاذفا ويحد حد القذف. وفي الشرب مثل السرقة بالإقرار أو بشهادة اثنين وهكذا...

°- والإسلام أقر إسقاط الحد عند التوبة، إذ جعل اللّه تعالى الحدود عقوبة "لأرباب الجـرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعا وقدرا، فليس في شرع اللّه وقدره عقوبة تائب البتة"، لكن شريطة ألا يقع الشخص في الفعل الذي تاب منه مرة أخرى.

ويقر المؤلف أن السجن مثلا لم يقض على الجريمة نهائيا، والعلاج من خلاله فيه كثير من العيوب:

+ فهي تكلف الدولة كثيرا من "النفقات والأموال الباهظة التي لا بد من رصدها للإنفاق على نزلاء السجون، وموظفيها وعمالها، زيادة على تكاليف بنائها وإنشائها، وكم يرصد من أجل ذلك من أموال. إن ميزانية السجون بين الميزانيات الضخمة التي يدفعها المجتمع وهو في حاجة إليها دون فائدة أو جدوى، ذلك أنك تسأل هل استطاعت السجون المسماة بدُور الإصلاح والتقويم أن تقوم بهذا الغرض فعلا من حيث علاج المجرم والقضاء على الجريمة".

+ كما أن السجن "يحول بين اللصوص وبين العمل خلال فترة السجن، وغالبا ما يكونون أصحاب قدرة ونشاط، وفي ذلك تعطيل للمواهب والقدرات، وكـان من الممكن ( لو أنهم عوقبوا بعقوبة أخرى غير الحبس تكفي لتأديبه) أن يستغلوا جهدهم المعطل في العمل، فيستفيدوا ويفيدوا مجتمعهم".

+ كثيرا ما يعود السجن على السجين " بالضرر البالغ في صحته وجسده نظرا للازدحام الموجود فيه، وعدم الرعاية الصحية والنظافة الكاملة، ولذلك فالسجن غالبا ما يكون وسيلة لنقل الأمراض ونشرها بين المسجونين، وسببا لإفساد أخلاقهم".

+ كما أن في السجن "إهدار لانسانية الإنسان، لأن السجين ينادى عليه هناك برقمه لا باسمه وفي ذلك إلغاء لشخصية الإنسان وذاته، وإشعاره بالإهانة وعدم الكرامة، ومن شعر بفقد كرامته وانحطاط إنسانيته هانت عليه كثيرا من الجرائم".

 ويقر الكاتب أيضا أن السارق بعد خروجه من السجن "نجده محكوما عليه بالموت الأدبي إن لم يكن المادي أيضا، وذلك لأن الجمهور ينبذه ولا يفتح له صدره، أو ييسر له طريقا لاستئناف حياة نظيفة. وقد يضطره ذلك إلى أن يزاول الإجرام من جديد، وبصورة فيها تصميم على الانتقام، فيمرن عليه ويتشبع بدمه ويصبح عنده حرفة وعادة". وهكذا دواليك مع باقي الجرائم التي شرع الإسلام الحد فيها...

نافذة "قرأت لكم"، 26 أكتوبر 2006

Vous pouvez partager ce contenu