Aller au contenu principal

"النبوة والخلافة والإمامة"

عدنان أسمندر،  دار البلعاس، دمشق،  2004، 86 ص.

بتمهيد الكتاب، يقول المؤلف جازما: لقد "انتهى بنا الأمر إلى التأكيد على أن الإمامة ركن أساسي في الإسلام، لا غنى عنها للمسلم المؤمن، وهذا بدوره أفضى بنا إلى التوقف عند مفهومي الإسلام والإيمان، والفرق بينها".

يتألف كتاب "النبوة والخلافة والإمامة" من نصين أساسيين، حاول المؤلف من خلالهما "غربلة هذه المفاهيم من كل الشوائب التي علقت بها، وبخاصة لأسباب سياسية":

+ بالنص الأول ("العصمة") يقول المؤلف: "في لسان العرب، مادة عصم: العصمة في كلام العرب: المنع. وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، يعصمه عصما: منعه ووقاه. وفي التنزيل: لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، أي لا معصوم إلا المرحوم. العصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامي".

من هنا ينتقل المؤلف للتساؤل عما إذا كان الرسول (ص) معصوما، أي لا يقع في أي خطأ أو معصية، مهما كانت صغيرة أو كبيرة. بهذه النقطة، يلاحظ الكاتب أن المسلمين انقسموا بقوة بإزاء ذلك:

هناك فريق يرى أن الرسول (ص) كان معصوما في أمور الوحي الإلهي فقط، أما في ما يتعلق بأمور الدنيا، فهو معرض للخطأ والصواب في اجتهاده، أي أنه قد يقع في اجتهادات خاطئة، فيما يخص بعض الأمور الدنيوية. ويبنون رأيهم هذا على العديد من الأحاديث النبوية الشريفة، من قبيل قول الرسول (ص) للمزارعين: "اذهبوا فأنتم أعلم بأمور دنياكم مني".

 وهناك فريق آخر يرى أن الرسول (ص) معصوم من الوقوع في أي خطأ في الدين أو الدنيا على حد سواء، ولهؤلاء أيضا شواهدهم وإحداها قوله تعالى: "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".

ويبدو أن المؤلف من مؤيدي الرأي الأول، سيما حينما يستشهد بالآية الكريمة: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما".

 معنى هذا، يقول المؤلف، إن الله مد رسوله الكريم بمدد نوراني، يمكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها، وهنا لا يمكن له أن يقع في أي خطيئة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وهو بذلك أعلم خلق الله في كل شيء، لأن معارفه مستمدة من الله تعالى بشكل مستمر، والخطأ مرفوض قولا واحدا، وبالتالي فإن ذلك يؤدي حتما إلى أنه صلوات الله عليه وآله، كان معصوما عصمة عامة مطلقة".

 ويستشهد المؤلف أيضا بقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"، ليبين أن "الرسول (ص) لا يمكن أن تكون عنده نزوات شخصية تبعده عن الصواب، فكل ما يقوله هو حق وصدق ووحي إلهي، وبالتالي فالسورة تؤكد العصمة".

بارتباط وموضوع العصمة، يتساءل المؤلف: هل كان النبي أميا أم غير أمي؟

يرى الفريق الأول أن رسول الله (ص) كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأما الفريق الثاني فيقول: إن رسول الله (ص) كان يقرأ ويكتب.

يلخص الكاتب رأيه في الموضوع بجملة بسيطة مختصرة: ن رسول الله (ص) كان أميا، أي منسوبا إلى أم القرى، وهي مكة. ونحن نعتقد أن عصمة الرسول (ص) لا تكون كاملة إذا كان لا يقرأ ولا يكتب، والرسول أكبر من ذلك بما لا يقاس".

إن الذين يقولون بعصمة الرسول (ص) بأمور الوحي دون أمور الدنيا، ويعتقدون أن الرسول (ص) كان لا يقرأ ولا يكتب، إنما يحيلون على الاستنتاج، يقول المؤلف، بأنه يمكن أن يحل محل الرسول أي شخص آخر، ما دامت العصمة في الوحي فقط… وأما في الأمور الحياتية العادية، فالرسول كغيره من الناس، يمكن أن يخطئ في أمر ما، ولا يخطئ فيه رجل آخر.

+ بالنص الثاني ("الخلافة والإمامة") يلاحظ المؤلف أن الخلافة والإمامة كانتا أيضا مثار خلاف بين المسلمين، فيمن تكون عنه الخلافة. ففي حين يرى البعض أن الخلافة تكون عن الله تعالى، فيقال في الخليفة خليفة الله، يرى البعض الآخر أنها تكون عن رسول الله (ص)، فيقال فيه خليفة رسول الله (ص) لأنه خلفه في أمته.

أما عن الإمامة، فيستشهد المؤلف بالماوردي، الذي حدد شروط الإمامة بالقول: لقد "اعتبر أصحابنا الشافعية رضي الله عنهم، لصحة عقدها أربعة عشر شرطا في الإمام": الذكورة، البلوغ، العقل، البصر، السمع، النطق، سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة، الحرية، الإسلام، العدالة، الشجاعة والنجدة، العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، صحة الرأي والتدين، النسب".

بعد ذلك، يتعرض المؤلف لأهم النقاط المثارة بخصوص الإمامة والخلافة:

 °°- يستشهد أولا، بالحديث الذي رواه سفينة مولى، أن الرسول قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك". وكانت مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ثلاثين سنة، كما قال رسول الله (ص) بالتمام والكمال، يؤكد المؤلف، أي من السنة الحادية عشرة للهجرة حتى السنة الحادية والأربعين للهجرة، وبعد ذلك يبدأ الحكم الأموي الذي كان ظاهره الخلافة، وحقيقته الملكية المقنعة بلباس الخلافة، والتي استمرت حتى نهاية الخلافة العثمانية.

ويلاحظ الكاتب أن الواقع التاريخي لما حدث، هو "أن الحديث الذي يقول عن الخلفاء بعد رسول الله (ص) إثنا عشر، هو الأمر الذي أوصى به الرسول، وهو أمر إلهي، ولكنه لم ينفذ، ولو نفذ لظل الدين قائما حتى تقوم الساعة، ولما قال رسول الله (ص) يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس".

ويقرر المؤلف بأنه "من خلال النص القرآني، فإن الإمامة والخلافة بالنسبة للأنبياء، هي أمر إلهي، وهنا لا مجال للخطأ من أي نوع، والعدل متحقق. وهنا نسأل: هل كانت الخلافة بعد الرسول (ص)، نقصد ما حدث تاريخيا منذ السقيفة وحتى الآن، أمرا إلهيا؟ لا نظن أننا نختلف مع أحد بأن ما حدث بعد الرسول (ص)، لم يكن أمرا إلهيا، ولو كان كذلك لسقط العقاب عن كل ما ارتكبه الحكام والأمراء من جرائم، وبخاصة منذ بداية العهد الأموي وما بعده... فها هو مؤسس الدولة الأموية يقول، بعد أن تمت له الخلافة بالمكر والخديعة: إني والله ما أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون".

أما مؤسس الدولة العباسية السفاح فيقول: "إن الله رد علينا حقنا، وختم بنا كما افتتح بنا، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير...هذا يعني أن الله قد رد عليهم حقهم الذي كان الأمويون قد سلبوهم إياه (فلسفة واحدة)، فالله هو الذي أعطى الملك للأمويين، ثم عاد فأعطاه أورده للعباسيين… وبدأ السفاح عهده بإعطاء أمره المشهور بإخراج جثث بني أمية من قبورهم وجلدهم وصلبهم".

هل تصح، يتابع المؤلف، "تسمية هؤلاء الحكام بالأسماء الدينية الخاصة بالأنبياء، مثل الخليفة والإمام؟ وهل يجوز للمؤرخين والفقهاء أن يسموهم أمراء المؤمنين؟ إن الأمويين والعباسين كانوا خلفاء على الورق، لكن ملوكا على الأرض، يقول الكاتب.

°°- ويستشهد ثانيا، بالقلقشندي الذي أكد أن كلمة إمام من الألقاب المستجدة خلال الحكم العباسي في العراق، "وهذا يعني أن كل الخلفاء الراشديين والأمويين لم يطلق عليهم تسمية إمام، بل أطلق عليهم كما يقول القلقشندي، إسم أمراء المؤمنين... إن كلمتي خليفة وإمام هما كلمتان دينيتان، لا تطلقان إلا على المعصوم بدليل قرآني واضح: قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام 'إني جاعلك للناس إماما'...لكن الفقهاء من رجال السلطة أجازوا تسمية هؤلاء الحكام باسم الخلفاء، أو الأئمة، مع أنهم غير معصومين، وفيهم المسيء والمصيب، وعلى درجات، وهذا مخالف لقول الله سبحانه وتعالى، لأن التسمية خاصة بالأنبياء، أو بمن جاء فيه نص قرآني. ولم يكتف هؤلاء الفقهاء بهذا، بل أضافوا إلى الحكام إسم أمراء المؤمنين، وحتى الفاسقين منهم".

°°- ثم إن ولاية العهد هي، برأي الكاتب، "خروج على الإسلام، لأنها متناقضة مع الشورى، وتأخذ بالوراثة القسرية، دون اعتبار للمقومات الدينية والعلمية والأخلاقية. وهكذا كان معاوية الذي عين إبنه يزيد السكير وليا للعهد، وهو الذي لا تنطبق عليه شروط الإمامة، ولا شروط الخلافة، ويذكر التاريخ أحداثا مأساوية جرت، كان سببها وجود أكثر من ولي للعهد، ناهيك عن الدسائس والمؤامرات والفتن".

إن الخلافة لا تنعقد إلا بأهل الحل والعقد، وإن الفقهاء قد ساهموا بفاعلية في ضرب الشورى والديمقراطية، ومهدوا لاستمرار ظهور الأنظمة الفردية القمعية، يزعم المؤلف.

°°- من جهة أخرى، يقر المؤلف بأنه "لو قبلنا الفهم الخاطئ لطاعة أولي الأمر هكذا بالمطلق، فعند ذلك سيكون الفاسقون بعضا من أولي الأمر... ولو طبقت البشرية هذا المبدأ، لما كان هناك حق لأية ثورة تقوم ضد الظلم، وكان على الفلاحين المضطهدين من جلاديهم الإقطاعيين، أن يستكينوا وينصاعوا، لأن الله قد أمرهم أن يطيعوا رؤساءهم، ولو كانوا فاسقين ظالمين... لو كان الأمر غير ذلك، فكيف نفسر موقف أهل البيت (أهل التقى والعلم) طوال العهدين الأموي والعباسي، وهو موقف معارض باللسان والسيف لكل الحكام الظالمين؟‍‍ وقد دفعوا حياتهم ثمنا لمواقفهم المبدئية، كما فعل الحسين الشهيد عليه السلام في كربلاء".

أما الانتفاضة على الظلم، فتبدأ بنظر المؤلف، بسخط الرعية على الحاكم في الصدور، ويتحول السخط إلى قول باللسان، فيواجه الحاكم بكل سلبيات الحكم. وعندما لا تثمر الكلمة الصادقة، تأتي المرحلة العليا، وهي التغيير باليد، أي بالقوة. وهذا هو تماما ما حدث أثناء الثورة على عثمان. فقد بدأ الناس بالتململ بسبب تقريب الخليفة لأقربائه، وإعطائهم الأموال الطائلة، دون وجه حق. ثم انتقل إلى الأصوات، فواجه الناس الخليفة بما يرونه من مفاسد، وعندما لم ينفع الكلام، اندلعت الثورة، وشارك فيها كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار".

أما حديث ابن عمر، الذي يذكر فيه أن الرسول (ص) قال "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة"، يقول المؤلف: "لقد مر في التاريخ الإسلامي كثير من الخلفاء والأمراء الظالمين، ولم نسمع أن أحدا منهم جمع الناس، أو أصدر لهم أمرا جماعيا أو إفراديا بارتكاب المعاصي... فلم يذكر التاريخ، مثلا، أن الحجاج قال للناس: لا تصوموا أولا تصلوا أولا تحجوا، أو قال لهم: افعلوا المنكرات. إذن فطاعة الحجاج واجب ديني، ما دام لم يأمر الناس بمعصية، وهو الذي أزهق آلاف الأرواح ظلما وبغيا، وكان يتقرب حسب زعمه إلى الله، بقتل بعض الصحابة، لأنهم لا يرون رأيه". 

°°- ويستنتج المؤلف، بالبناء على العديد من الآيات الكريمة، أن وجود إمام للمؤمنين هو أمر واجب في الدنيا، ولا مناص منه. بالتالي، فهو من صلب العقيدة الإسلامية، وأن كل رسول هو إمام، أي أن موسى كان إماما، وكذلك عيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وأن الخلافة تشمل الإمامة، ولكن الإمامة لا تشمل الخلافة. وأن النتيجة التي لا خلاف حولها هي أن الرسول (ص) هو الخليفة والإمام في وقت واحد، وأن العصمة والعدالة متحققتان خلال وجوده.

أما الآيتان الوحيدتان اللتان تتحدثان عن الشورى، "فإن من يدقق فيهما، سيكتشف بنفسه أن لا علاقة لهما بشورى الخلافة. ولو كان الأمر غير ذلك، لكان المنطق يقضي أن الرسول (ص) يجب أن يشكل مجلسا للشورى، يختاره في حياته من كبار الصحابة، ويوصي به من بعده. وهذا بطبيعة الحال لم يحصل، وفي الوقت ذاته، سنقع في أتون الخطايا، إذا اعتقدنا أن هناك من هو أكثر فهما من الرسول (ص)".

وبالارتكاز على الآية الكريمة "وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبل المفسدين"، يتضح بشكل قطعي، يقول المؤلف، إن " هارون أصبح وزيرا لموسى بأمر الله، وعندما يقول الرسول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، فإنه يقصد حتما أنه وزيره وخليفته من بعده، أي أنه ورث الخلافة والإمامة عن النبي، ولم يرث النبوة".

ويستدل المؤلف على ذلك، بحديث الرسول (ص) "الخلافة بعدي ثلاثون"، فيبين "أن إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام، هي أيضا ثلاثون سنة، أي منذ وفاة الرسول (ص) في السنة العاشرة للهجرة، إلى وفاة الإمام علي في شهر رمضان عام 40 للهجرة. وبهذا تكون المدة وهي ثلاثون سنة، تنطبق على فترة حكم الخلفاء الخمسة، وكذلك تنطبق على فترة إمامة علي بعد الرسول (ص)...وهذا يؤكد أن الإمام علي عليه السلام، كان هو الخليفة والإمام بعد الرسول (ص). وباعتبار أن المسلمين لم ينفذوا الوصية التي تشير إلى أن الخلفاء بعده إثنا عشر، فقد ظل إماما فقط ستة وعشرين عاما، ثم أربع سنوات ونيف إماما وخليفة... إن علي بن أبي طالب هو من أشار إليه القرآن والأحاديث، وتطابق هذا كله مع علمه وتقاه وعدله وشجاعته وجهاده في سبيل الله، وهو الإمام والخليفة بعد الرسول (ص)... وإذا كانت ظروف المسلمين قد شابها من التفكك والنـزاع قد أبعدته عن الخلافة السياسية، فقد ظل هو الإمام، الذي كان اتباعه واجبا وعاصما من الزلل والانحراف...: إنه أول الخلفاء الإثني عشر، وأخرهم هو محمد بن الحسن، وأن علمهم مستمد من علم رسول الله (ص) ولا مجال للاجتهاد والقياس، يؤكد المؤلف، تماشيا مع قول رسول الله (ص) 'أنا مدينة العلم وعلي بابها'.

لا غنى للمسلمين عن الأئمة إذن، يؤكد الكاتب، "والأئمة... هم: أهل بيت النبوة، الذين أولهم الإمام علي، وأخرهم الإمام محمد بن الحسن سلام الله عليهم أجمعين، وأنهم هم المقصودون بالخلفاء الاثني عشر بعد الرسول (ص)، وكلهم هاد ومهتد وكلهم عدول، وبأيهم اقتدينا اهتدينا. . وكانوا هم المعنيين بقول الرسول 'عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ'...".

ويخلص المؤلف إلى القول: ليعبد كل إنسان الله على طريقته التي يؤمن بها، لأن حساب الناس جميعا، هو يوم القيامة ولا يحق لأحد أن يحاسب غيره بسبب خلاف في الرؤيا. قال تعالى في سورة الحج: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد".

نافذة "قرأت لكم"، 28 غشت 2008

Vous pouvez partager ce contenu