Aller au contenu principal

"الإسلام والديموقراطية"

مؤلف جماعي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 2003، 211 ص.

+ بمقدمة الكتاب، وهو مجموعة أوراق لورشة فكرية نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بأواخر العام 2002، يتساءل حلمي سالم ("الإسلام والديموقراطية: الحوار الصعب"): "هل هناك أرضية مشتركة بين الإسلام والديموقراطية؟".

ويحاول الجواب، معتبرا "أنه لا يوجد هناك إسلام واحد موحد يتفق عليه الجميع...بل هناك إسلامات عديدة، وفرق كثيرة. ثمة الإسلام السني، وثمة الإسلام الشيعي، وكل منهما يناصب الآخر العداء...وهناك المذاهب الأربعة الكبرى، التي تختلف فيما بينها الأحكام والشرائع والإفتاءات. وهناك الإسلام الصوفي...والإسلام الدرزي والإسلام البهائي...وقد وصل تعدد الفرق الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة".

ويرد الكاتب ذلك إلى كون "النص المقدس (القرآن) نص عمومي إطلاقي، شمولي، كلي، شأنه في ذلك شأن كل نص نظري إطلاقي شامل. ولذا، فهو يتسع لشتى التأويلات والقراءات والتفسيرات. وهي تأويلات وقراءات وتفسيرات تتعدد وتتخالف، حسب روح المفسر أو منهجه أو مصلحته أو حسبها مجتمعة".

ثم لأن "النص المقدس (القرآن) نفسه كثيف ومتعدد ومتشعب. فهو حافل بالأسانيد التي تعطي لكل تيار شرعية جازمة"، حيث المتشدد والمتسامح والمتجمد والمجدد والعرقي والإنساني والمكفر...كل يجد دعمه وسنده".

ثم إن "هناك فارقا جوهريا بين الدين وبين الفكر الديني، أي بين النص المقدس الذي يسمى النص الأول، وبين تأويل النص المقدس وتفسيره، الذي يسمى النص الثاني...وتنشأ المعضلة حينما يحل أهل الإسلام السياسي النص الثاني محل النص الأول، فيصبح الفكر الديني هو الدين، ويغدو نقد الفكر الديني أو الاختلاف عنه محرما ومكفرا، بوصفه نقدا للدين".

بالتالي، يتابع الكاتب، فإذا لم يستطع المسلمون حل هذه المعضلة فيما بينهم طيلة 15 قرنا، فكيف سيفلحون في عقد صلح بين الإسلام وبين الديموقراطية؟

بخصوص واقع المرأة، يؤاخذ الكاتب على بعض المتدخلين بهذه الندوة، قولهم بأن "القهر الواقع على المرأة إنما هو قهر الدولة، لا قهر الدين"، وهو ما يوافق عليه الكاتب، لكنه يذكر بأن ذات القهر إنما تمارسه الدولة، بالاستناد على "شرعية دينية، ترى المرأة نصف الرجل في الشهادة والمواريث، وتضعها في موضع الدرجة الثانية".

وهو أمر يبدو للكاتب، مستمدا تاريخيا من "ظاهرة التحالف غير المقدس بين السلطة السياسية الاستبدادية، وبين السلطة الدينية السلفية".

من جانب آخر، يتصور الكاتب أن النص الديني إنما يدعو بجوهره لحرية الإبداع البشري. بالتالي، فلا مجال لإنكار الإسلام السياسي على الأدباء المعاصرين ذات الحرية، أو تكفيرهم، أو شطبهم من الملة. إن المصادرة والتكفير إنما هي، يقول الكاتب، "وصاية تفترض أن الشعب لم يبلغ سن الرشد، وتفترض أن المصادرين هم اليد العليا والقيمون". بل إن هناك "علاقة عكسية بين ازدهار المجتمع، وبين محاكمة الفن بالمنظور الديني".

من ناحية أخرى، يلاحظ الكاتب بأن ربط اللغة العربية بالدين عمل جد محفوف بالمخاطر والخطأ. فإذا كان صحيحا أن العربية كان لها بعد مقدس أيام الوحي، بل كان من الضروري "منح اللغة مسحة من القداسة، للحفاظ على لغة القرآن، وعلى القرآن جميعا"، فإن الدعوة الدينية ثبتت اليوم وانتشرت، فوجب اعتبار العربية "ظاهرة بشرية اجتماعية، تتطور بتطور البشر والمجتمعات".

ويزعم الكاتب، بسياق آخر، أن ثمة تناقض فلسفي جذري بين الإسلام (والدين عامة) وبين الديموقراطية والترتيبات السياسية والاجتماعية بوجه خاص، "ذلك أن الأول (الدين) هو تعليمات إلهية، بينما الثانية هي تعليمات بشرية. الأول أبدي ثابت، لأنه من صنع الله، والثانية نسبية متحولة، لأنها من صنع المعاش اليومي. فإذا تعارض الطرفان انحسم التعارض لصالح الرب، لا لصالح الشعب، وانقفل الحوار قطعيا".

ويرى أن لا سبيل لتفادي هذا التناقض "إلا إذا تم توافق الفرقاء على أن ما يخص علاقة العبد بالرب يحدده الرب، وأن ما يخص علاقة العبد بالعبد يحدده الآدميون".

ما يزيد الأمر تعقيدا برأي الكاتب، حالة الدين الإسلامي تحديدا، على اعتبار "أنه أكثر الأديان السماوية الثلاثة اضطلاعا بمهمة تنظيم الدنيا، إلى جوار مهمة تنظيم الدين. إذ هو دين ودنيا معا"...وهو ما تجاوزته أوروبا، عندما نجحت "في كسب المعركة بين السلطة الدينية (الكنيسة) وبين السلطة الزمانية (النظام السياسي المدني)، وأصبحت المسيحية تسيير للعلاقة بين العبد والرب، أكثر من كونها تسييرا للعلاقة بين العبد والعبد".

ويلح الكاتب هنا على أن لا فارق بين "الإسلام المتطرف" و"الإسلام المعتدل" إلا من الناحية الإجرائية والأداتية، على أن الأصل النظري (النص المقدس) مشترك...بدليل، يقول الكاتب، شهادة الشيخ محمد الغزالي (وهو معتدل) في واقعة اغتيال فرج فودة، وإقراره بكفره، ومجاراة مكفريه.

من هنا، يتابع الكاتب، فالإسلاميون المعتدلون أو المتنورون (سليم العوا، طارق البشري، محمد عمارة، فهمي هويدي، كمال أبو المجد وغيرهم) إنما هم كذلك بالمظهر الخارجي ليس إلا، على أن خطابهم لا يختلف في مضمونه عن خطاب المتطرفين.

بإزاء قضية الشورى، يشير المؤلف إلى أنها لم ترد بالقرآن إلا مرتين، وهي من هنا غير متكررة الورود للأخذ بها بالمطلق، بل هي موجهة للرسول (ص) لا إلى عامة المسلمين. وهي "محصورة في نخبة من أهل الرأي المحيطين بالنبي. وهي غير ملزمة. وهي لم تطبق في التاريخ السياسي الإسلامي بعد عهد النبي، بل طبق الملك العضوض، القائم على شهوة السلطة المضجرة بالجثث والدماء، التي لم توفر أهل بيت الرسول نفسه".

أما القول بأن الديموقراطية مرفوضة لأنها غربية، فهو قول اختزالي بنظر الكاتب، إذ المفروض أن ترفض معها كل مزايا الحضارة الغربية، المحيطة بنا من كل صوب وحدب.

من جانب آخر، يتصور الكاتب أن بالقرآن نصوصا تؤيد حرية الرأي والاعتقاد، لكن فقهاء النصوص الثواني لا النص الأول، وأساطين الفكر الديني لا الدين، حولوا ذلك وجعلوا ذات الحرية مقتصرة على "حرية الاعتقاد داخل إطار الدين الإسلامي نفسه، لا خارج إطاره، مستندين في ذلك على مبدأ حاكم يقول: لا اجتهاد فيما فيه نص".

من هنا المأزق التالي، الذي يصيغه الكاتب على شكل سؤال مفتوح: "هل كل القرآن مطلق حرفي، سار أيا يكن الزمن والمكان؟ هل هو نسبي رمزي وذو أسباب نزول، مشروطة بظرفها الجغرافي والتاريخي والبشري؟ أم فيه المطلق الحرفي، وفيه النسبي الرمزي؟".

بمسألة الأقليات، يلاحظ الكاتب أن بعض أعلام الفكر الديني المتطرف، يدعمون التميز الديني ضد المسيحيين، متجاهلين أسباب النزول. كما يعتبر أن تنصيص الدستور المصري مثلا على أن مصر دولة إسلامية، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، يجعل من المسيحيين المصريين "مواطنين من الدرجة الثانية". وعلى ذلك، "فهو نص طائفي، أو محرض على الحزازة الطائفية". ما يعقد الأمر أكثر، برأيه، دعوة بعض غلاة الإسلام السياسي إلى "إحلال الرابطة الدينية محل الرابطة الوطنية، ليصبح المسلم السنغفوري أقرب إلى المسلم المصري من المسيحي المصري". وهذا مصدر تخوين ومدخل فتنة، برأي الكاتب.

وعلى هذا الأساس، فهو يرى أن تحسين صورتنا لدى الغرب، تبدأ من الأصل واحترام "الآخر" فينا (الآخر الديني والسياسي والجنسي والطبقي والعرقي والجمالي). ويتساءل: "ما الصورة التي ننتظر أن يكونها الآخر الغربي عنا، إذا علم (أو قرأ أو شاهد) أن في مجتمعاتنا العربية/الإسلامية، قوانين تمنع على المسيحيين الوصول إلى بعض المناصب الحساسة، وتمنع السيدات من قيادة السيارة، ومن التمثيل البرلماني، ومن اعتلاء منصب القضاء؟"، وأن هناك أنواعا من البشر في مجتمعاتنا العربية، "يسجل لها في خانة الجنسية بهوياتهم، تعبير بدون؟". وكيف سينظر إلينا الغرب ونحن نكفر ونقتل من خالفنا الرأي، ونعتقل آلاف المعارضين السياسيين، أو نغتالهم ببرودة دم؟

إن "احترام الآخر الخارجي لنا يبدأ باحترامنا نحن للآخر، الداخلي فينا"، يؤكد الكاتب.

من جهة أخرى، فالكاتب يركز على أن "الدين لله والوطن للجميع"، ويطالب بأن يكون "شرط المواطنة هو العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، لا العقد الديني".

هذا هو السبيل الأوحد، يقول الكاتب، سبيل "أن نؤمن بأن الدين هو تنظيم للعلاقة بين الناس والسماء. أما الأرض فينظمها الناس، حسب احتياجات أهل الأرض".

+ بالمحاضرة الافتتاحية ("قضية الإسلام والديموقراطية: نقاط الائتلاف والاختلاف") تحدث جمال البنا عن الديموقراطية الأثينية حيث كانت سيادة القانون، لا سيادة المواطنين. وتحدث عن كيفية تطور هذه الديموقراطية تدريجيا، إلى أن بلغت مستواها المعروف حاليا بالغرب.

بحالة الإسلام، يعتقد الكاتب أن كل الأديان تقر بحرية الاعتقاد دونما فرضه قسرا، وما ألصق ب"المجتمع الإيماني من تعصب وضيق لا يعود إلى العقيدة الحقة، ولكنه من متطلبات المؤسسة الدينية، التي تريد أن تحتكر العقيدة".

من هنا، فهو يعتقد بأن الحرية في الفكر والعدالة في الاقتصاد، "كانتا مطبقتين في مجتمع الرسول، ومجتمع الخلافة الراشدة، حتى تحولت إلى ملك عضوض". بالتالي، فإذا كانت الديموقراطية تتفق مع الحرية والعدالة، فإنها تلتقي حتما مع الإسلام.

إن المجتمع الإسلامي، يقول الكاتب، "هو مجتمع حكم القانون، وأن القانون هنا هو القرآن الكريم. وبهذا يكون أقرب لما أراده فلاسفة أثينا أنفسهم".

ويعتقد، من ناحية أخرى، أن "النموذج الإسلامي السليم لم يتحقق إلا لمدة قد تقل عن 25 عاما، هي حكم الرسول في المدينة (10 سنوات)، وحكم أبي بكر وعمر". أما ما تلا ذلك، فقد كان ملكا عضوضا، من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الحميد الثاني، "لأن الحكام والفقهاء أفسدوا تماما المفاهيم الإسلامية، التي ازدهرت عصر الرسول".

من هنا، فالكاتب هنا إنما يلمح إلى أن الحديث في الديموقراطية اليوم، لا يمكن أن يتم إلا باستحضار مرحلة الرسول والخلفاء الراشدين، حيث الأسس الثلاثة: "الاحتكام إلى القانون، البيعة، حق المواطنين في تقويم الحاكم".

ويؤكد البنا أن لا أثر لما يسمى الردة بالإسلام، على اعتبار القول: "فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر"...لا قوة فرض في هذا. إن الذي يجتهد بالدين ويصنف ملحدا، إنما يلصق به ذلك من لدن الفقهاء، فقهاء الدين، وليس من لدن الدين نفسه، يتابع الكاتب.

+ بمداخلة وحيد عبد الحميد ("ما هي مواصفات النظام الديموقراطي؟") يؤكد الكاتب أنه ليس ثمة مواصفات جاهزة، أو وصفة معينة واحدة للنظام الديموقراطي.

ويميز هنا بين اتجاهين: الاتجاه الإجرائي والاتجاه الثقافي. الأول يرى "أن النظام الديموقراطي يوجد عندما تتوفر إجراءات معينة، أيا كان السياق الاجتماعي والاقتصادي أو الثقافي، الذي توجد فيه هذه الإجراءات": قوانين تنتج التعدد السياسي والفكر، وتوفر انتخابات حرة ودورية ومحددة المواعيد، وتضمن مشاركة الناس وتداول السلطة. بالتالي، يرى هذا الاتجاه، أنه حالما تتوفر هذه الإجراءات، يكون هناك نظام ديموقراطي.

أما الاتجاه الثاني، فيرى أن هذه الإجراءات كافية، لأنها "تضمن استمرار الديموقراطية، بدون وجود ثقافة ديموقراطية في المجتمع".

والمقصود بالثقافة هنا هو توفر "القيم السياسية التي تكفل وجود تفاعل ديموقراطي، مثل قيم التسامح والاعتراف بوجود الآخر، والحوار والمساومة السياسية".

الاتجاه الأول لا ينفي هذه القيم، لكنه يعتبر "أن الممارسة السياسية هي التي تخلق الثقافة الديموقراطية لدى المجتمع". بالمقابل فالاتجاه الأول لا ينفي الثاني، على اعتبار أن المدخل لخلق ثقافة ديموقراطية، يفترض وضع إجراءات. وهذه الإجراءات لا يمكن أن تسري بالمجتمع، إلا إذا كان لهذا الأخير ثقافة ديموقراطية... وهكذا.

ويجزم الكاتب بأنه "قد يكون من الصعب بناء نظام ديموقراطي حقيقي بدون توفر حد أدنى من الثقافة الديموقراطية في المجتمع". وأن هذه الثقافة "هي أهم مواصفات النظام الديموقراطي على الإطلاق، بحيث يؤدي غيابها إلى الحيلولة دون قيام هذا النظام، وتبديد أي آمال في الوصول لنظام ديموقراطي". بالتالي "يصبح الحديث عن إمكانية بناء نظام ديموقراطي من خلال الممارسة، يصبح افتراضا ضعيفا في ضوء تجاربنا التاريخية".

هذا النظام الديموقراطي لا يضمن فقط الحقوق السياسية، بل من شأنه (بظل الاقتصاد الحر) فتح السبل لضمان، أو لتحسين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. لذلك فغالبا ما تكون هذه الحقوق مضمونة بالنظم الديموقراطية، مغيبة بغيرها...العملية تاريخية، تتطلب وقتا طويلا نسبيا، حسب علاقات القوى بين قوى الديموقراطية وقوى الاستبداد"، يلح الكاتب.

 "هل هناك مواصفات دينية خاصة للديموقراطية؟ وكيف يمكن تطبيق الديموقراطية في مجتمع تدين أغلبيته بالإسلام؟". الكاتب يتحدث هنا عن الحقوق السياسية، الاقتصادية والاجتماعية التي تسنها النصوص التأسيسية الكبرى، لكنه يلاحظ أنها بغالبها لا تحترم، أو تصادر، وأن الإجراءات النيابية تبقى شكلية وللتجميل فقط.

ويتساءل، من جهة أخرى، عن "مدى ما يتمتع به الإنسان في ظل حكم يلتزم الإسلام نظاما من حقوق في مجال الحرية والأمن، ومجال الاختيار...ومدى توفر الضمانات الكفيلة بتأكيد حقه في المشاركة، ومدى الفرص المتاحة لوصوله إلى السلطة أو الحكم، لتطبيق وتنفيذ برنامجه عبر انتخابات حرة نزيهة".

يؤكد الكاتب هنا، أن الله سبحانه وتعالى، ضمن للناس حقهم الفطري في الحرية والأمن. كما أن حرية وحق إبداء الرأي والمحاسبة مكفولة. "وحق الإنسان في اختيار الحاكم وأهل الحل والعقد واجب يجب النهوض به، كما أنه حق مشروع لا افتئات عليه".

ويقدم الكاتب موقف حركة الإخوان المسلمين من الديموقراطية والحرية ونظام الحكم، مبينا أنهم لا يتطلعون لانتزاع الحكم، بل يعترفون بالتعددية وتداول السلطة، وأن عمل الحركة لبلوغ السلطة لتنفيذ برنامجها إنما هو من الفعل السياسي... "يلتزم القانون والسبل المشروعة" في ذلك، ومن خلال انتخابات نزيهة وشفافة. إن الحكم، بنظر الكاتب، هو وسيلة للإخوان المسلمين، وليس غاية أو هدفا في حد ذاته.

+ بمداخلة عاطف أحمد ("الإسلام والديموقراطية: تعددية المنظور")، يطرح الكاتب مدخلين: "إما إثبات وجود الديموقراطية في الإسلام، وإما الفصل بين الدين والسياسة، على النحو الذي نراه في الدولة الحديثة". التساؤلان معا يستدعيان، بنظر الكاتب، "تحديد العلاقة بين الإسلام والديموقراطية".

يحدد الكاتب هنا أربعة منظورات للإسلام، لكل منها رؤيته للديموقراطية:

°- منظور النص الديني الإسلامي (أي القرآن)، "ويتميز بخصائص متفردة، سواء من حيث الشكل، أم من حيث المضمون". هو نص ورد متقطعا على مدى حوالي 20 عاما، ويفتقر ترتيب السور فيه لوحدة الموضوع أو التتابع الزمني، ويتميز بأسلوب مجازي وبتعميم شديد في المفردات والمعني... ما يجعل "البحث فيه يتخذ منحى خاصا، ويقبل تعدادا في الفهم والتفسير، قد لا يتاح لسواه من النصوص".

ويضرب مثلا بالشورى، فيقول بأنها عمل يصدر عن الحاكم ...وأنها اختيارية في إجرائها، استشارية في نتائجها، وأنها "مقصورة على أهل الحل والعقد، أي النخبة الاجتماعية". وهذا واقع تاريخي، كما هو تاريخي كونها "منظومة قبلية سابقة على الإسلام". ثم إن ورود مفهوم طاعة أولي الأمر يثير تعقيدا إضافيا، إذ المفهوم إياه يتنافى، و"لا يسقيم مع مبدأ المشاركة في صنع القرار السياسي، ومساءلة السلطة، ومراقبتها، وسحب الثقة منها، والذي هو جوهر العملية الديموقراطية".

أما مفهوم البيعة، "فهو اتفاق أو عهد يجري بين طرفين، ويلتزم كل منهما بالتزام ما تجاه الآخر". وهذا كان زمن الرسول، وهذا الأخير لم يكن لأن "يصدر من القرارات إلا ما أذن الله له به من بيان، وتوضيح للناس".

بالتالي، فإن "الإسلام/الدولة قد نشأ، بعد أن انتهى أمر النبوة والرسالة"، يقول الكاتب.

أما نظرية الاستخلاف، فتذهب إلى "أن الله قد استخلف الإنسان، ليكون خليفته في الأرض". وهذا "نوع من التفويض"، لكنه مشروط بتنفيذ التعاليم الإلهية.

°- منظور الاستدلال المنطقي/العقيدي، ويستدل فيه بأن الله هو الخالق العادل. ولما كان البشر مستخلفون، فإن من حقهم المشاركة في "صياغة القرار السياسي بمختلف مستوياته، بما في ذلك الأشكال المؤسسية المنظمة لهذه المشاركة، والإجراءات العملية التي تتطلبها".

°- منظور التاريخ الإسلامي، وهو الذي يقدس "فترة وجيزة في التاريخ الإسلامي، لا تزيد عن ربع قرن من حوالي أربعة عشر قرنا هي عمر الإسلام". وهي فترة النبي والخليفتين أبا بكر وعمر.

وثمة فترة أخرى (فترة القرن الرابع الهجري) حين ازدهرت الحضارة، وكان لها تأثير كبير بأوروبا. هي قراءة إيديولوجية، برأي الكاتب، لأنها تعتبر ما سوى الفترتين "انحرافا عن الإسلام الحقيقي".

ثم إن القول بأن الإسلام دين ودنيا، إنما كان محكوما بفترة زمنية (زمن الرسول) اندغمت بصلبها السلطة الزمنية والدينية معا، في السلطة السياسية الناشئة.

°- ثم المنظور الإيديولوجي، الذي يعالج النص "من خلال منظور غير ديني، مستمد من تصورات ومفاهيم ورؤية فردية للعالم وللحياة، بحيث يرى النص ما يعتقده هو، لا ما يقوله النص". هي قراءة تعفي نفسها من الضوابط اللغوية والمنهجية، و"تستنطق مفردات النص كرها أو طوعا، بمفرداتها هي"، سيما حين تبتر النص من سياقه المعرفي والثقافي والاجتماعي، وتدغم بالنص الديني ما يتراءى لها أنه من الواجب أن يحتويه من مبادئ وحقائق ونظم، والنبش في النص عن المفردات أو الإشارات التي من شأنها تزكية ذلك.

بالتالي، يلاحظ الكاتب، فإن "الإسلام يتغير مضمونه وفقا لنوع الإيديولوجيا التي يتبناها الباحث، ويتغير بالتالي الموقف مما إذا كان الإسلام يتوافق مع الديموقراطية، أم يتنافى معها".

+ بمداخلة محمد حافظ دياب ("الديموقراطية والدين: مقاربة نظرية") يرى الكاتب أن نظرية السيادة في الإسلام تتركز "على استحالة السيادة للبشر، فيما سيادة الله هي وحدها ما يمكن تصوره، والاعتقاد به". ويوضح أيضا أن فكرة المواطنة "مازالت محل جدل"، اعتبارا من أسبقية الانتماء إلى الأمة، على الانتماء للوطن.

بالنسبة للتفويض، يرى الكاتب أن الثقافة الإسلامية تنبذ هذه الفكرة "من زاوية أن الله وحده، لا يفوض أي سلطة لأحد غيره. فالإسلام لا يسلم بأي فكرة اتصالية سوى الوحي، ولذلك فإن عدم وجود كهنوت في الإسلام يمثل نتاج هذا المنطق".

بإزاء التعددية، يرى الكاتب أن الإسلام "يرى الأمة كلا لا يتجزأ، كل قسم فيها يمت إلى هويتها الكلية". من هنا يأتي مثلا رفض الحركات الإسلامية لآية تنظيمات حزبية، "على أساس أن وحدة الجماعة/الأمة ينبغي صونها والدفاع عنها".

+ بمداخلة جورج إسحاق ("ضمان حقوق الأقليات بين الثقافة الدينية السائدة ومتطلبات الدولة الحديثة")، ينبه الكاتب من الأول (وهو مصري عربي قبطي) بأن النضال بمصر، لضمان حق الأقليات هو نضال داخلي. ويرفض بالتالي التدخل من الخارج. إننا، يقول الكاتب، نرفض رفضا قاطعا التدخل "من الحكومات، حتى لو كانت لتحقيق أجندتنا الداخلية أو العالمية".

الكاتب هنا لا يحمل العامة مسؤولية ما يتعرض له الأقباط، بل يحملها للحكام الذين يعرفون الأمور، لكنهم لا يدركونها. وهو ما تتبناه مداخلة نبيل عبد الفتاح بنفس المحور، حيث يعتبر أن "الأقليات (كما الحال مع الأقباط) لا يعتبرون أنفسهم أقلية، بل جزءا لا يتجزأ من المجتمع المصري"...وأنه إذا كان ثمة إشكال، فإنه مرتبط بما "يعتري الاندماج القومي، ومبادئه وآلياته، مع تطور الدولة والنظام السياسي المصري، طيلة نصف قرن انصرم".

معنى هذا، يقول الكاتب، إن "العقائد السياسية للحركة القومية العربية الجامعة، البعثية والناصرية وغيرها...لم تعط عناية واهتماما خاصا لإشكاليات وأزمات التعددية الدينية والمذهبية والقومية والعرقية. الأمر الذي أدى إلى إهمال تطلعات المجموعات الأصغر، في إطار الفكرة العربية الجامعة، تأسيسا على أنها تنطوي في طموحها المثالي لأمة عربية واحدة، لن تحل داخلها تناقضات الأنماط الدينية والمذهبية والقومية والعرقية واللغوية الفرعية".

ويزعم الكاتب، من ناحية ثانية، أن السلطوية، وتعثر مشاريع التنمية، وعسكرة الحياة السياسية...كل ذلك "أدى إلى ازدياد توظيف الدولة في العالم العربي والصفوات السياسية الحاكمة، لسياسات الدين في إدارة شؤون الحكم، وفي السياسات الداخلية، عبر استجداء المؤسسات الدينية الرسمية واللارسمية".

كما أن الدين يقول الكاتب، تم توظيفه (من لدن الدولة، ومن خلال دعم الجماعات الدينية) بغرض "إحداث توازن سياسي ما"، وهو ما أدى إلى ظهور حركات إسلامية راديكالية بالعديد من الدول العربية، ترفع السلاح، وتتبنى الجهاد بوجه الدولة، وبوجه الطوائف الأخرى، سيما المسيحية منها. وهو ما كان من شأنه، يتابع الكاتب، توسع "مدى الفجوات بين الجمهور المسلم والمسيحي"، وتزايد منسوب "ثقافة العنف والإضمار".

من هنا، يؤكد الكاتب، فإن "عدم تجدد الأسس الاندماجية في إطار تعددي وديموقراطي، يكرس مبدأ المواطنة بدلالاته المعاصرة، أبرز وبوضوح مشاكل جرحت ما بات يسمى بالوحدة الوطنية في المفهوم المصري الشائع".

ويلاحظ الكاتب أن العولمة وثورة الاتصال أسهمتا، بالمقابل في الدفع بجهة تميز الهويات الدينية والمذهبية والعرقية والقومية واللغوية. لا بل إن الدول الكبرى بظل ذلك، ركزت على ضرورة احترام الحريات الدينية، ووضعتها ضمن خانة احترام حقوق الإنسان، وشددت على "عقاب بعض الدول، إذا ما انتهكت هذه الحرية، سواء سياسيا ودبلوماسيا أو اقتصاديا".

من هنا، فالكاتب يتخوف على المسيحيين من تزايد "أنماط الثقافة الدينية، الفقهية والوعظية الشائعة، وارتفاع خطاب تقليدي حول نموذج أهل الذمة التاريخي بكل محمولاته وإيحاءاته".

إن المسيحيين، يقول الكاتب، إنما يعانون من غلبة فائض المخاوف وفائض الاستبعاد، بجهة تزايد التميز الديني والسياسي. وهو ما يطالب بإلحاح بمعالجته.

+ بمداخلة فريدة النقاش ("حقوق المرأة بين الثقافة الدينية السائدة ومتطلبات الدولة الحديثة")، تؤكد الكاتبة "أن سياسات التحرير والانفتاح الاقتصادي كان لها أثر سيء على وضعية المرأة سيما بسوق الشغل، حيث يتعامل معها كسلعة".

ثم هناك (وهذا هو السبب الثاني بنظرها) "قوة الإسلام السياسي"، الذي يمثل "قوة تعويق لعملية تحرير المرأة". حركات الإسلام السياسي، بكل طوائفها، تتعامل مع المرأة كعورة، تماما كما تتعامل معها سياسات السوق كسلعة، تلاحظ الكاتبة.

بالتالي، فهي ترى أن "مفهوم الإسلام السياسي لما يسمى بتحرير المرأة لا يختلف، من حيث الأساس الاقتصادي والاجتماعي، عن مفهوم الدولة الليبرالية الجديدة، وسياسة الانفتاح الاقتصادي".

إن الذي تطالب به الكاتبة إنما "إلغاء أشكال التمييز... فيما يتعلق بقضية المرأة"، مع التأكيد "على أن المرجعية الحقوقية العالمية لا تتناقض مع كل ما هو تقدمي وعقلاني في الثقافة العربية/الإسلامية".

إن التنقيص من قيمة المرأة لا مبرر ديني له، تقول الكاتبة، فما بالك "لو كان المبرر باسم السياسة الليبرالية الجديدة، والانفتاح الاقتصادي".

+ بمحور "إشكالية حرية الإبداع الأدبي والفني مع الثقافة الدينية السائدة"، تحدث مجدي قرقر عن الحرية، واعتبر أن الإشكال ليس في مبدئها، بل في مداها ونطاقها.

ويقول: "إنه في قضية الفن بأنواعه المختلفة، الأصل في الشيء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص صريح وصحيح من كتاب الله ورسوله الكريم. أما النص الصريح غير الصحيح، فلا يحرم، والنص الصحيح غير الصريح أيضا لا يحرم".

ويتابع: "إن ممارسة الفن وتذوقه غريزة وفطرة، والدين لم يأت لمحاربة الغريزة والفطرة والتنكيل بهما، إنما جاء لتهذيبهما والسمو بهما".

بذات المحور تحدث أيضا صلاح عيسى، وبدأ بتوضيح أن "هناك مصدرين للثقافة الدينية السائدة: الأول هو المصدر الشعبي، والمصدر الثاني الجماعات الإسلامية". ويزعم الكاتب أن لا إشكال إلا بالحالة الثانية، حالة الجماعات الإسلامية، التي كانت ببداياتها (بمصر تحديدا) جد متفتحة، لكن سرعان ما بدأت تنكمش على نفسها، بسبب "زحف التزمت الإسلامي الخليجي النفطي على الشعب المصري، من خلال مئات الآلاف الذي سافروا للسعودية، وعادوا محملين بمنظومة قيم مختلفة عن منظومة قيم الشعب المصري". ثم إن الدولة زايدت على هذه الجماعات واستوظفتها، بتقاطع من انتهازية الطرفين، يقول الكاتب.

إن القضية "تتجاوز علاقة الإبداع بالدين". هي تتجاوز ذلك بجهة "الحجر على الرأي الآخر، وتقييد حرية الإبداع"...هي بالتالي، قضايا سياسية بامتياز، الكل بهذه الندوة شدد عليها.

نافذة "قرأت لكم"، 20 دجنبر 2007

Vous pouvez partager ce contenu