محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، 197 ص.
ببداية هذا الكتاب، يتساءل الراحل محمد عابد الجابري عما هو العربي. ويجيب بأن " هوية العربي ليست واحدة، بل هي صورة تتحدد بحسب وعي الشخص، والموضع الذي يرى تلك الصورة فيه".
فالأوروبي، يقول الجابري، " الذي تتشكل معرفته من وسائل الإعلام الغربي، يربط العربي بالنفط والإرهاب والعمالة المهاجرة. في حين ينظر العربي المقيم في الغرب، للعمل أو الهجرة أو اللجوء السياسي على العربي، بوصفه شخصا مضطهدا. أما العربي المشرقي، فقد يعرفه بأنه جزء من الأمة العربية الذي تسبب الغرب وإسرائيل في تقسيمها وإضعافها. وأما العربي المغربي، فقد يعتبر العربي مسلما يستغله الأوروبيون المسيحيون ويحاربونه في دينه".
بالتالي، يخلص الجابري إلى القول بأن العربي يتمثل في أن يكون الإنسان "عروبيا، أي مهتما بالوحدة العربية وقضاياها ومستقبلها".
وفي تعرضه لإشكالية الهوية بالارتكاز على ثنائية العروبة والإسلام، يلاحظ الجابري بأن عنصري هذه المعادلة قد تم طرحهما وجها لوجه، على خلفية أن إحداهما يحدد الآخر، وبالتالي يحدد الهوية.
وإذا كان الكاتب لا ينكر أن ثمة كتابات معتدلة تحاول إبراز نقاط التكامل، فإن ذلك لا يلج إلى صلب المسألة في نظره، بل غالبا ما يتم تغليب العروبة ومنحها الأولوية على الإسلام.
صحيح، يقول المؤلف، أن ثمة آراء ترجح هذه الكفة أو تلك، لكنه لا يرى جدوى من ذلك كبير، ليس فقط بسبب تكافؤ أدلة الطرحين، بل وأيضا لأنه يفضل أن تسبر أغوار كل أطروحة وتناقش مناقشة جدية.
إن التناقض بين الأطروحتين، بنظر الجابري، إنما متأت بالتحديد من "اختلاف المرجعية المعرفية لدى كل طرف، فأصبح كل منهما يرى العروبة والإسلام بشكل مختلف".
ففي المرجعية التراثية، يقول المؤلف، " يتحدد مفهوم العربي بالتعاريف اللغوية القديمة، التي تجعل فصاحة اللسان هي المحدد للعروبة وبالنسب التاريخي. وهكذا، فإن من يفكر في مفهوم العربي من هذه المرجعية، لا يستحضر الإسلام بالضرورة...الإسلام في هذه المرجعية دين، لا يمكن أن يوضع في ثنائية مقابل العروبة، لأن ما يوضع مقابل الإسلام لا بد أن يكون دينا أو فلسلفة منافسة".
أما في المرجعية النهضوية في المشرق العربي، " فمفهوم العربي مرتبط بالعلاقة مع الآخر: التركي الذي يهدد العروبة بسياسة التتريك، والمستعمر الأمبريالي المسيحي الذي يهدد الإسلام".
أما في المغرب العربي، " فكان الآخر واحدا، هو المستعمر الأوروبي المسيحي الذي يهدد الإسلام بعمليات التنصير، والعروبة بتفريق البربر عن العرب. فأصبحت العروبة والإسلام شيئا واحدا هو الهوية الوطنية، التي يجب الحفاظ عليها".
بسياق كل ذلك، يعرج الجابري على العديد من الأطروحات المستجدة انتقادا أو نقضا، من قبيل ضرورة وجود دولة قاعدة ترتكز عليها الوحدة العربية، إيمانا منه بضرورة " الوحدة الجزئية، التي تبنى على أساس التعاون والتكامل وتحقيق المصالح والحاجات".
أما بالقسم الذي يتحدث فيه الجابري عن المستقبل العربي، فإنه يرى بأنه لا بد أولا من معرفة أن كل تفكير مستقبلي هو في جزء منه على الأقل، عبارة عن بناء علاقة جديدة مع الآخر، أعني الطرف المزاحم في الماضي والحاضر، أحدهما أو كليهما، فضلا عن كونه المنافس في المستقبل".
بالتالي، يرى الكاتب، بأن تفكير العرب في مستقبلهم وعلاقتهم بالآخر، يجب أن يستحضر الخلفية الثقافية الدينية للغرب العلماني الذي "يرى الإسلام ذلك المنافس التاريخي في الماضي، وأكثر المرشحين ليكون عدوا في المستقبل".
وينصح الجابري بأن يبتعد العرب عند تفكيرهم في المستقبل، عن السذاجة التي تصور لهم الغرب صديقا أو حليفا. إذ أن هذا الغرب لا يهتم بالشرق الأوسط مثلا، إلا لاعتبارين: الموقع الاستراتيجي "الذي يجعل منه ممرا ضروريا للغرب إلى كل من آسيا وإفريقيا...". وثانيهما، " كونه أكبر مخزون في العالم للنفط، الذي يرى الغرب ضرورة استمرار تدفقه إليه لتستمر حضارته، ويرى بأن هذا النفط من حقه لأنه اكشتفه وصنعه. وهكذا يجب أن يصل عليه دائما وبسعر معقول، للحفاظ على نمط الحياة الغربية".
نافذة "قرأت لكم"، 25 غشت 2011