1- للشبكة في المفهوم التقنو/اقتصادي السائد معنيان:
- فهي تراص للتجهيزات والأعتدة متناسق، غير قابل للتجزيء ولا يتحرك إلا بتحرك كل مكوناته المركزي منها كما الطرفي سواء بسواء.
- وهي "فضاء" منظم لإنتاج القيمة وتوزيعها واستهلاكها وآلية متكاملة تزداد المنفعة بداخلها بازدياد عدد المنتفعين.
هي بنيان نسقي وإلى حد ما منظومي يتحرك في كليته بمجرد تحرك عنصر من عناصره. لا ينحصر تحديد مفهوم الشبكة في بنيانها التقنواقتصادي الخالص الذي يميزها عن سواها من أنشطة غير منظمة بالشكل النسقي المعروف، بل غالبا ما يتعداه ليطال ما يستتبع أثر الشبكة على التوزيع الجغرافي للوسائل التجهيزية وتموقع المؤسسات الإنتاجية وانتقال الثروة بين الفضاءات وتواصل الأفراد والجماعات بداخل ذات الفضاءات.
إذا كانت الشبكة كذلك (أقصد كونها فاعلا غير محايد في المحيط الذي تشتغل فيه) فلأنها كانت نتاج سياسات هي بدورها غير محايدة في اختياراتها أو في فلسفتها أو في نمط تفكيرها. بالتالي، فبقدر درجة اتساع مجال الشبكة تتأتى حدة المزايدات بشأن طبيعتها وطبيعة الوظيفة المنوطة بها والجهة الموكلة أو التي يجب أن يوكل لها أمر الاختيار والتسيير.
وعلى هذه الخلفية الجوهرية، فقد كانت الشبكات الكبرى (سيما الاستراتيجية منها كالاتصالات والتلفزة والماء والكهرباء) مادة اختيارات ومزايدات دفعت في معظمها (منذ ثمانينات القرن الماضي) بجهة إعادة تقنينها أو خوصصتها أو تحرير الأسواق الفاعلة بها...فتقوضت على محرابها نظريات كبرى لطالما عاشت في منأى عن كل تشكيك يذكر كنظريات الاحتكار الطبيعي والمرفق العام وغيرها.
لم يعد المواطن، في ظل "الوضع الجديد"، بصدد شبكات تضمن له المساواة في البلوغ والعدالة في التوزيع والنجاعة في التسيير (والتي كان المرفق العام ضامنها الأسمى لسنين طويلة)، بقدر ما أصبح بإزاء شبكات يحدد السوق والمنافسة إمكانيات بلوغها ومستوى عدالتها ودرجة نجاعتها، فتحولت بالتالي إلى شبكات للمواطن بخضمها من الواجبات أكثر ما له من الحقوق ومن الإكراهات أكثر مما له من حماية وضمانات.
لا يأتي الإكراه إياه من الشبكات ولا هو لصيق بطبيعتها أو بأشكال هيكلتها، بقدر ما يأتي من طبيعة الاختيارات المعتمدة وأهداف السياسات الموضوعة والغايات المرجوة من اتباع ذات السياسات. من هنا فما أسميناه شبكات الإكراه بالمغرب (التي نروم الحديث فيها في هذا المقام) لا يتوخى نعت الشبكات هاته بل نعت طبيعة ذات الاختيارات والسياسات والغايات.
2- ما المقصود بشبكات الإكراه بالمغرب؟
المقصود المباشر بذلك إنما الإكراه الذي تمارسه الشبكات التقنية الكبرى (من اتصالات وتلفزة وماء وكهرباء أساسا) على المواطن وما يستتبع ذلك من غبن يلحقه (أو قد يلحقه) جراء تبعيته لذات المرافق واستحالة الاستغناء عن جزء كبير منها كالماء والكهرباء مثلا.
بالتالي، فلو كان لنا أن نصنف هذه الشبكات ( شبكات الإكراه بالمغرب) لقسمناها إلى صنفين أساسيين:
- الصنف الأول وهو صنف الإكراه المزمن، أي الإكراه الدائم والمستمر. وأعني به في هذا المقام الإكراه الذي تمارسه التلفزة بالمغرب والذي لم يمسسه (لأكثر من أربعة عقود) إن لم يكن التحول المطلوب فعلى الأقل عوامل التعرية الطبيعية.
- أما الصنف الثاني فهو إكراه جديد أي حديث العهد. وأعني به إكراه شبكة الاتصالات منذ خوصصة جزء من رأسمال فاعلها الرئيس، وإكراه "ممالك" الماء والكهرباء في سياق رخص الاستغلال التي منحت منذ مدة للخواص الأجانب الفرنسيين والإيبيريين بالأساس.
ولئن كان التصنيف أعلاه لا يعدو غير كونه تصنيفا إجرائيا، فإن الصنفين معا يتقاطعان في أكثر من مظهر وينفرد بعضهما عن الآخر فيما قد يكون خصوصيته وطبيعته.
يلتقي الصنفان معا ويتلاحمان في أربعة مظاهر كبرى:
+ المظهر الأول أنهما معا تحايل واستصدار لقطاعات ليس لها صبغة استراتيجية فحسب، بل هي جزء مركزي من الملك العام الغير قابل للارتهان. بالتالي فمن السلوك المؤدي للإكراه أن تقدم الحكومة (أو التشريع حتى) أو الدولة (كوحدة مؤسساتية تحتكر العنف) على تحويله أو تفويته أو رهنه تحت أي مسوغ اللهم إلا باستفتاء يتنازل بموجبه الشعب (أو أغلبيته) على جزء من ذات الملك على خلفية من المصلحة العامة القاهرة.
هو ليس تحايل واستصدار للملك العام فحسب، بل هو استصدار للمرفق العام والخدمة العامة كونهما جوهر ذات الملك وعنصر التضامن بين طبقاته وشرائحه الاجتماعية (في حالة المساعدات المتبادلة مثلا بقطاع الاتصالات والماء والكهرباء).
+ المظهر الثاني ويكمن أساسا في أن " فاعلي الشبكات الجدد" لا يتقمصون في سلوكهم (وعلى خلفية من دفاتر تحملات غير مجبرة) أدوار الخصم والحكم في الآن معا فحسب، بل لهم أيضا ألا يبرروا ذات السلوك في جملته كما في التفصيل.
ليس التلميح هنا فقط إلى لجوء الفاعلين إياهم إلى منع المواطنين من التزود بخدماتهم في حالة عدم الأداء (الاتصالات والماء والكهرباء)، بل اعتمادهم قرارات قد تضر المواطنين أو لا تنال رضاهم كما هو الحال مع إقامة الفاعلين في الاتصالات لأجهزة ومعدات للهاتف النقال داخل المدارس أو فوق أسطح المنازل أو بجوار المستشفيات أو بغيرها.
بالتالي، فإذا كان الفاعلون في الحالة الأولى (حالة قطع التزود) يدفعون بمبدأ "الأداء أولا والتظلم فيما بعد" (حتى في ثبوت عدم نجاعة أنظمة فوترتهم)، فإنهم، في الحالة الثانية (حالة وضع الأجهزة ومعدات الهاتف النقال في الأماكن الحساسة) " ينصحون" باللجوء إلى القضاء (وهو فارغ في هذا الباب) أو إثبات الضرر (ضرر الأشعة على خلايا الإنسان) لم تستطع المنظمات الدولية ذاتها إثبات ذلك وإن لم تستبعد الضرر.
لا يتأتى الإكراه في الحالتين إياهما من سلوك الفاعلين وتجاوزهم لاحتجاجات الأفراد والجماعات فحسب، بل يتأتى أيضا من الفراغ القانوني الذي لم يتداركه المشرع (حالة الهاتف النقال) وفي تحويل الأمر إلى مواد من العقود والالتزامات يوقع المواطن عليها دونما قدرة من لدنه على إدراك ملابساتها أو تبعاتها أو ما يترتب عنها (في الاتصالات كما في الماء والكهرباء).
+ المظهر الثالث لصنفي الإكراه المذكورين هو الإكراه الكامن في فرض الرداءة على المواطن (من لدن التلفزة بالأساس) دونما أن يكون لهذا الأخير الحق في الاحتجاج أو القدرة على التغيير.
فإذا كان تشكيل الشبكة البرامجية للتلفزة بالمغرب (بقناتيها) لا يأخذ في الحسبان رأي المواطن ولا تطلعاته، وإذا كانت معظم برامج القناتين لا تلقى استحسان المشاهد ولا تنال رضاه، وإذا كان جزء من المواطنين يؤدون رسوم "دعم القطاع السمعي-البصري" دون أن يطلهم البث أو تمسسهم التغطية، إذا كان كل هذا وغيره، فبأي المفاهيم يمكن نعت ذلك إذا لم يكن الإكراه؟
أليس من الجور استحصال رسوم وفرض "إتاوات" على مواطنين لتمويل نشاط (التلفزي أعني) يتعدى أداءه الاستهجان لدرجة التذمر؟ أليس من الإكراه المؤدي للغبن أن تبقى مؤسسة الإذاعة والتلفزة قطاعا من قطاعات الداخلية في زمن اتسعت في خضمه تقنيات الرقمنة والبث العابر للحدود وغيرها؟
بالتأكيد. إذ الإكراه الممارس من لدن التلفزة بالمغرب لأكثر من أربعة عقود، لا يوازيه حجما وشكلا إلا إكراه الداخلية ذاتها طيلة هذه المدة، وإكراه الضبط والتوجيه والتعتيم الذي طال هذه المرحلة ولا يزال.
+ المظهر الرابع للإكراه ونخاله كامنا في تحويل هذه القطاعات أو معظمها إلى ما يشبه الإقطاعيات... إذ نادرا ما يتغير القائمون عليها أو يخضع تسييرهم لنظم المراقبة أو لمبادئ التقييم والمحاسبة أو ما سواها. هم متربعون على رأس هرمها لا ينفع في تغييرهم توالي السنون ولا تعاقب الحكومات ولا تغير الأجيال إلى حد تعتقد العامة معه أن هؤلاء مندغمون في المؤسسات التي يقومون عليها لا قائمة لها بدونهم تذكر.
لا يتراءى لنا الإكراه مقصورا على هذا الجانب، بل غالبا ما يتعداه إلى عدم قدرة القضاء على مساءلتهم وهم في مناصبهم أو متابعتهم وقد تحولوا إلى مناصب أخرى أسمى أو ملاحقتهم عندما يحالوا على المعاش أو مقاضاتهم على أفعال وممارسات وتهم ثابتة في حقهم (أو ضدهم) عندما يصبحون "رجال أعمال خواص" كان للقطاع العام الفضل في تكوين "ثروتهم".
3- ليس ثمة من شك، على الأقل بناء على هذه المظاهر الأربعة، أننا لم نعد بإزاء مرافق عمومية تتغيأ الخدمة العامة ومبدأ القرب، بقدر ما أصبحنا بإزاء مسلسل من الإكراه يبدأ بما يسميه روني باسي "استصدار الملك المشترك" وينتهي إلى ارتهان المواطن وإخضاعه لطقوس هي في الشكل أقرب إلى السوق، لكنها تحيل في الجوهر، إلى إفلاس الدولة وتسابق المصالح الفئوية إلى اقتسام الغنيمة.
إذا لم يكن الأمر كذلك فما تفسير اللجوء المستمر للقوات العمومية لقمع متظاهرين أمام مقرات ذات المرافق...لا يرفعون عرائض مطلبية أو لافتات تنديدية بل مجرد فاتورات للهاتف والماء والكهرباء متعذرة التشفير...
جريدة العلم، 16 شتنبر 2002