Aller au contenu principal

الدعم السائب

news-details

لست ضد الدعم في إطلاقيته، أو لموقف مني مسبق منه، أو من الذين يتحصلون عليه أو يستفيدون منه. فأنا مع أن تقدم الدولة الدعم لبعض السلع والخدمات الأساسية، بغرض تخفيف وطأة أسعارها على المواطن المتوسط. ومع أن تقدمه لبعض المدخلات الإنتاجية  الاستراتيجية، والتي، إن اعتمدت بأسعارها الحقيقية، فإنها سترهق لا محالة كاهل المنتج وبالمحصلة المؤكدة كاهل المستهلك، مع ما يستتبع ذلك من تضخم وتزايد في الفوارق، قد يكون من شأنها تشظي العلاقات بين الأفراد والجماعات، وبين المناطق والجهات.

إن الذي أتحفظ عليه بقوة، لدرجة المناهضة في بعض الأحيان، إنما أشكال الدعم التي تقدمه الدولة على شكل هبات و"هدايا" هنا وهناك، قد تكون جزافية في البعض منها، لقطاعات من النشاط "الإنتاجي"، أصحابها فاعلون بالسوق بالبداية وبالمحصلة النهائية، وقد لا يجد المرء من مبرر موضوعي يشفع لهم حصولهم على الدعم إياه.

ولعل الحالة الصارخة، في هذا الباب، إنما تتمثل في الدعم السنوي الضخم الذي تقدمه الدولة للصحافة المكتوبة بكل روافدها (اليومية والأسبوعية، الشهرية ونصف الشهرية) وبمختلف انتماءاتها (الحزبية وغير الحزبية)، والذي يقدر بالملايير من السنتيمات، تستخلص في مجملها من الخزينة العامة، أعني من المال العام، مال مؤدي الضرائب والإتاوات.

إنها تستفيد منها بناء على معايير تتغيأ، وفق منطوق وزارات الاتصال المتلاحقة، تشجيع التعددية الإعلامية وضمان منتوج إعلامي متعدد، منفتح على كل الآراء والتمايزات والأفكار والمعتقدات، وباللغات المتاحة، في سياق استنبات شروط الليبيرالية التي لطالما راهن عليها المغرب الرسمي في خطاباته وسياساته العمومية.

ولما كان الأمر كذلك، فإن الوزارة لم ولا تستبعد من الدعم إياه إلا الذي لا يحترم دفتر تحملات هو بالأصل مرن لدرجة الهلامية، إذ قد لا يجد المرء في ظله صعوبة كبرى في تحصيل دعم بهذا المستوى أو ذاك.

ومع أن العديد من هذه المنشورات، الحزبية وغير الحزبية، اليومية أو الأسبوعية، الشهرية أو نصف الشهرية، لا تحقق نسب مبيعات محترمة أو يعتد بها، بحكم تواضع أدائها أو تبرم القارئ عن اقتنائها، فإنها مع ذلك تستفيد من ذات الدعم بهذا الشكل أو ذاك، حتى ليغدو الأمر ولكأنه ريع صرف لا مجال لبذل الجهد في إدراكه.

قد يكون ثمة بعض من المبالغة احتكاما إلى ما تحققه بعض روافد الصحافة "المستقلة"، والذي "يبرر لها" تحصيل الدعم أو جزء منه على الأقل وفق ما تدعي وتقول، لكننا لا نبالغ القول بالمرة في حالة الصحافة الحزبية، التي انحسر بريقها وتراجع مدها، وباتت غير مقروءة بالحملة والتفصيل، اللهم إلا الاشتراكات "القسرية" التي تفرضها على الإدارات والمؤسسات العمومية بهذا الطريق المجامل أو ذاك.

بالمقابل، فلو تسنى للمرء أن يجد لهذه المنابر الحزبية بعضا من الشفاعة في حصولها على الدعم العمومي، بحكم ارتباطها بأحزاب المفروض فيها أن تبني للتعددية السياسية وتدعم مسارها، وتبني من ثمة للروافد الإعلامية لذات التعددية، فإنه من المتعذر حقا أن يجد  المرء شفاعة كبرى للصحافة "الحرة" التي لا أحزاب أو نقابات من أمامها أو من خلفها.

فهي منابر (يومية كانت أو أسبوعية، شهرية أو نصف شهرية) تشتغل برساميل خاصة، تفعل في السوق دون قيود كبرى (اللهم إلا قيود أخلاقيات المهنة)، حيث سيادة منطق العرض والطلب، وبغايات ربحية خالصة فضلا عن ذلك، دع عنك خطابات المزايدة هنا أو هناك...فكيف تبرير مطالبتها، ثم تمكنها من الحصول على الدعم العمومي، ومن مساندة المال العام لنشاط لها المفروض فيه أن يحتكم للمنافسة بالسوق لا لسواه؟

إن الحاصل حقا أن "صحافة السوق" لا تكتفي فقط بما تجنيه من أرباح مبيعاتها (وهي معتبرة وفق ما يصدر من تقارير)، إنها تريد أن تربح بالسوق، لكنها تريد بالآن ذاته أن تحصل على الدعم من المال العام. وهذا أمر نشاز بكل المقاييس. إذ المفروض في ذات الصحافة، وقد باتت في معظمها مقاولات وشركات خاضعة للقانون التجاري، أن تكد وتجتهد بالسوق كأية مقاولة عادية، وإن تعذر عليها الأمر ولم تستطع المجاراة، فثمة مسطرة الإفلاس التي لا عيب في أن يلجأ إليها المرء إذا ضاقت به سبل مسايرة منطق العرض والطلب.

 أما أن تتحصل على الدعم، وحسابات ربحها صافية، فهذا لا يخرج بنظرنا عن عملية نهب مقنن للمال العام تتواطأ في ظله مؤسسات الدولة بالجملة والتفصيل.  

* "الدعم السائب"، جريدة المساء، 18 أبريل 2013.

Vous pouvez partager ce contenu