Aller au contenu principal

برنارد هنري ليفي

news-details

لم يكن برنارد هنري ليفي يوما مثار اهتمامي أو "مجالا" من مجالات اشتغالي. فالرجل يتحدث ويكتب في الفلسفة وعلم الاجتماع والإعلام وما سواها، ولا يتوانى في إبداء رأيه بإزاء هذه القضية أو تلك، بفرنسا حيث موطنه، كما بغيره من دول العالم المختلفة. وهذه قضايا أعترف أنها لا تصب مباشرة فيما اعتبره مجالات اهتمامي واشتغالي.

ثم إن الرجل لم يكن يتلكأ في إبداء ميولاته وقناعاته الإيديولوجية، ولم يكن متحفظا في دعم هذه الجهة أو تلك، بالانتخابات كما بإزاء كل قضية ترتبط بالشأن الجاري، ببلده كما بباقي بلدان العالم، التي تدخل في نطاق متابعاته. وعليه، فلم يكن يهمني كثيرا في مواقفه وآرائه.

ومع أن هنري ليفي لم يكن صاحب نظرية في الفكر تستدعي الاهتمام، فقد كان مع ذلك، وجها إعلاميا بامتياز، إذ لا يخلو برنامج تلفزيوني على هذه القناة أو تلك، دونما أن يكون ضمن حضوره أو ضيفا من ضيوفه.

ومع كل ذلك، فلم يكن للرجل حضور دولي بارز، على الرغم من مواقفه وآرائه، لا بل وتحركاته المكثفة هنا وهناك، زمن الحرب بالبوسنة، كما خلال الانتفاضات الفلسطينية، كما خلال الحرب على العراق، ناهيك عن حروب إسرائيل المتتالية على لبنان، وعلى حزب الله بالتحديد.

إن الحدث الأبرز الذي جعل من برنارد هنري ليفي وجها إعلاميا بارزا، وفاعلا سياسيا قويا، إنما دوره في الحرب التي شنها حلف شمال الأطلسي على ليبيا أواسط العام 2011، والتي أدت إلى مقتل العقيد القذافي وتهاوي نظامه بالجملة والتفصيل، بعد طول مكابرة وصمود.

يقول برنارد ليفي في كلمة له بالملتقى الوطني الأول للمجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا، أواخر نونبر 2011: "لقد شاركت في الثورة في ليبيا من موقع يهوديتي"، يعني أنه شارك فيها من منطلق المبادئ الدينية التي يؤمن بها، والتي وفق ما يلمح إليه، ترفض الظلم والاستبداد، وتناصر المظلومين والمضطهدين.

ويقول في كتاب صدر له مؤخرا ("الحرب دون أن نحبها") إنه "شعر بالمعجزة لتحقيق تجاوب مع المعارضة الليبية مع الخطة التي رسمها"، وأقنع بها الرئيس الفرنسي ساركوزي، الذي عمد منذ البدء، إلى "إرسال طائرات عسكرية لمنع طائرات ودبابات القذافي من ارتكاب مجزرة ضد المدنيين الأبرياء...".

لا ينفي الرجل أنه لولا الدعم العسكري واللوجيستي الفرنسي ما تمكن "الثوار" من صد هجمات قوات القذافي. ولولا طائرات فرنسا (بدون طيار)، ما تمكن هؤلاء من رصد مكان القذافي، ثم ضرب موكبه، ثم إلقاء القبض عليه وقتله مع أركان حكمه.

ولما تهاوى نظام العقيد وتسنى لخصومه الوصول إلى السلطة، اعترف ليفي أنه أبلغ المجلس الانتقالي بوضوح لا غبار عليه، أن الغرب "لن يقبل اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع في ليبيا ما بعد القذافي".

ليس مهما الآن التساؤل في خلفيات ودواعي ودوافع ليفي للقيام بكل ذلك، لكن المرء لا يسعه إلا أن يقول له التالي: أنظر ما الذي حل بليبيا على يد من أسميتهم "الثوار"؟ وانظر إلى الفتنة التي خلفها اقتراحك للرئيس الفرنسي، حيث لم يعد بليبيا بعد فعلتك، لا دولة ولا سلطة مركزية ولا قضاء ولا حياة للبشر عادية؟

أزعم أنه لدى الرجل أكثر من جواب، لكنه يبدو في عجلة من أمره، حيث الأحداث الجارية بسوريا تستنفره وتستدعيه "للتدخل".

يقول ليفي، في مقال مشترك مع "مثقفين فرنسيين"، نشر بجريدة لوموند أواخر شهر أكتوبر 2012، إنه على الدول الغربية "أن تتدخل بشكل عاجل لقتال استبداد آل الأسد، والتطرف الإسلامي، وذلك بغاية وقف أنهار الدم التي تسيل في سوريا".

ويتابع، بمعية برنارد كوشنير وأندريه كلوكسمان، اليساريان "المرتدان" عن يساريتهم، مخاطبين الدول الغربية: "كفى هروبا، كفى جبنا. إن المستقبل الديموقراطي في سوريا يتطلب مساعدة حاسمة".

ثم يوصون بأنه على فرنسا وبريطانيا أن تتحركا "من خلال تحييد الطيران الذي يقصف المدن والقرى، وتزويد التيارات الديموقراطية من المقاتلين بالأسلحة المناسبة، وطمأنة ومنح الأمل للعلويين، بمن فيهم من هم في دوائر الحكم ويرغبون في التخلص من المجرمين على رأس الدولة".

أما مستوى الحكمة لديهم، فيبلغ مداه عندما يكتبون في نهاية المقال: "حين نقدر جميعا، كما نفعل نحن، إن استبداد الأسد مدان، وإن التطرف الإسلامي يشكل خطرا على مستقبل البلاد، حينها يفرض واجب التدخل نفسه، وأيضا مسؤولية مجلس الأمن الدولي، المشلول بفعل الفيتو الروسي/الصيني".

ويختتموا مقالهم بالقول: إن "عدم التدخل في الوقت الذي تتسارع فيه المجزرة بحق الأبرياء، يعني توجيه أسوأ الرسائل وتعزيز المشاعر المعادية للغرب".

نسأل هؤلاء جميعا، وفي مقدمتهم هنري ليفي: ما الذي تريدونه من سوريا؟ هل تهمكم حقا حياة الأبرياء؟ إذا كانت تهمكم حقا، فلم لا تهمكم في حال الفلسطينيين المحاصرين والمجوعين والمستهدفين من لدن إسرائيل ليل نهار؟

لم لا تهمكم حياة الأفغان الذين تطاردهم طائراتكم بدون طيار؟ ولم لا تهمكم حياة العراقيين الذين ضربهم الأمريكان بالفوسفور الأبيض ولا يزال معظمهم يئن تحت مرض السرطان وتبعاته؟

 إنكم كذابون ومنافقون ومحتالون. لذلك لا تستحقوا أن تكونوا مجال اهتمام أو اشتغال.

* "برنارد هنري ليفي"، التجديد العربي، 4 دجنبر 2012. مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، 5 دجنبر 2012.

Vous pouvez partager ce contenu