إذا كانت جل الفضائيات الدينية تستقي مادتها من معين مشترك، وتختلف فقط في طرق وزوايا تصريفها، بالاحتكام إلى مقاصد الجهة القائمة عليها، الممولة لبرامجها، فإنها استفادت مجتمعة من سياقات مشتركة فسحت لها في المجال واسعا للبروز والاستمرار:
+ ولعل أول سياق خدم ظهور هذه الفضائيات المتخصصة (كما العامة منها على حد سواء) هو سياق الطفرة التكنولوجية الكبرى التي طاولت مجال الإعلام والمعلومات والاتصال، ووفرت عناصر البنية التحتية (من سواتل للبث التلفزيوني وبرمجيات ضغط الصوت والصورة، ومسالك إرسال وبث من سعة عالية...الخ)، وفرت لكل من لديه بعض من المال أو التجربة، سبل إنشاء قناة فضائية أو أكثر، دونما تكاليف في الاستثمار باهظة، كانت الحكومات وحدها، في زمن ما قبل هذه الطفرة (زمن الندرة التكنولوجية)، هي القادرة على تحملها، أو تمويل مفاصلها، فيما يخص البنية المادية الحاملة، وفيما يخص المضامين الممررة والمبثوثة من خلالها أيضا.
إن الثورة الرقمية التي طاولت تكنولوجيا البث الفضائي، وأسهمت في انفجار أعداد القنوات الفضائية، وتخصص معظمها في البث التلفزيوني العابر للقارات، وسهولة الحصول على "نطاق" للبث من خلالها بتكاليف متواضعة، لم يغر الحكومات والمجموعات الإعلامية الكبرى، ولم يقتصر على إغراء خواص وأشخاص ذاتيين يبحثون عن الاستثمار في قطاع واعد، ذي مردودية مضمونة، بل وأغرى أيضا وبالآن ذاته، أحزابا وتيارات سياسية من أطياف مختلفة، وضمنها حتما التيارات ذات النزوع الديني، والتي وجدت في الوافد الجديد ضالة لم تكن متاحة، في ترويج "رسالة" لها لم تكن تجد سبلا في الرواج، اللهم إلا التواصل المباشر المحصور في المكان، أو اللجوء إلى تقنيات الكاسيط المقتصرة على النخب الميسورة، أو الدعوة بالكتاب والمقال، الخاضعة لرقابة السلطة ومراقبتها.
إن التركيز على البعد التكنولوجي في انفجار القنوات الفضائية الدينية، ليس مرده يسر ركوب ناصيته من لدن كل من لديه سلطان أو مال، بل ومرده أيضا استحالة تكريس إعلام ديني "على الفضاء" في غياب البنية التحتية الرافعة والمتاحة ب"السوق الدولي"، والغير عابئة، فضلا عن ذلك، بتشريعات الحكومات ولوائحها في الضبط، أو في ممارسة الرقابة القبلية على ما ينتج أو ما يبث.
+ أما ثاني سياق في ظهور الإعلام الديني المقتني للأقمار الصناعية، فيكمن في تزامن الطفرة التكنولوجية المتحدث فيها أعلاه، وظهور ما بات يصطلح عليه منذ مدة ب"الإسلام السياسي أو "الإسلام الحركي"، أو "إسلام الجهاد"، أو ما سوى ذلك من تسميات واصطلاحات.
ومع أننا لا ننكر أن بعض الفضائيات قد تكفلت حصريا وعلى علة ما تقدم، بالعمل على "تصحيح صورة الإسلام"، وتقديمه بصورة مغايرة لما يقدمه الإعلام الغربي (والسينما أيضا)، لا سيما في ظل تزايد استهداف الإسلام كتابا ودينا ورموزا، فإن العديد من هذه الفضائيات قد باتت منذ مدة، تسلك مسالك أخرى، وضمنها حتما مسلك التحريض على الحكام أو على المذاهب، أو النبش فيما تعتبره تمييزا أو تمايزا عن هذه العقيدة، أو الطائفة، أو القبيلة، أو العرق، أو عنها مجتمعة.
وهو الواقع الذي لاحظناه بأعقاب انتهاء الحرب الأهلية بلبنان مثلا، حيث تحصلت العديد من الأحزاب السياسية والطوائف اللبنانية على تراخيص رسمية لإنشاء قنوات تلفزيونية فضائية، اتضح بمرور الزمن، أنها تدافع، كل فيما يخصها، عن فكر أصحابها أو توجهاتهم السياسية أو خلفياتهم الدينية، لدرجة لا نكاد نعثر بشبكاتها البرامجية المختلفة، عما يوحي بوعي من لدنها، بضرورة الدفاع عن مبدأ العيش المشترك، أو التعايش مع باقي الأطياف الدينية أو العقدية أو السياسية، بقدر ما بتنا بإزاء أقنية فضائية تطلق الكلمة والصوت والصورة بوجه المتلقين، تماما كما تطلق البارودة الرصاص على صدر الغريم بدم بارد.
وهو نفس الواقع الذي لاحظناه ولا نزال نلاحظه بالعراق، بأعقاب الاحتلال الأمريكي لهذا البلد بالعام 2003 وإلى اليوم، وما ترتب عنه من انفجار للنعرة المذهبية والطائفية، وتحولها المباشر إلى أداة للاحتراب السياسي والتناحر العرقي، والقتل على الهوية والمعتقد، فيما يشبه حالة من الاقتتال الممنهج الشامل، الكل بظله مع الكل، وضد الكل في الآن معا.
صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورا كبيرا في انبعاث وتأجيج النعرة المذهبية بين شيعة العراق وسنته. وصحيح أنها أمعنت في استخدام مصطلحات وتعابير تحيل على هذا التمييز، من قبيل "المقاومة السنية" و"التيار الصدري الشيعي"، وما سواهما. هذا صحيح. لكنه لا ينفي توافر القابلية للفتنة المذهبية، لا سيما وأن "شيعة" العراق لم يفتأوا يرفعون شعار "المظلومية" والتهميش والإقصاء، الذي كانوا مكمنه وضحيته بزمن الرئيس الراحل صدام حسين.
بالتالي، فبالإمكان اعتبار الاحتلال الأمريكي من ضمن الأسباب الأساس التي خلقت البيئة المواتية لزرع بذور الاحتقان بين السنة والشيعة، ناهيك عن لجوئها إلى توسيع رقعة هذه البيئة وتأجيج مداها، بالإشارة، في سياق ذلك، إلى "أطماع إيران الشيعية" وتطلعات "حزب الله الشيعي"، و"الهلال الشيعي"، وهكذا.
وقد استسهلت التيارات المذهبية هذا المدخل، فأنشأت لنفسها فضائيات بنزوع ديني، لكنها كانت تضمر في باطنها (لا بل وتجهر به في منطوق خطابها)، تضمر أجندات سياسية تتقاطع بصلبها المشاريع الخارجية مع ترتيبات التيارات إياها على المستوى القطري والإقليمي.
+ أما ثالث هذه السياقات، فهو سياق الانتفاضات العربية التي أنهت أنظمة في الحكم بتونس ومصر وليبيا واليمن، ودفعت بتنظيمات وأحزاب الإسلام السياسي للواجهة، وأوصلت بعضها للحكم. وعلى هذا الأساس، فبقدر انتشار الأحزاب السياسية في أعقاب هذه الانتفاضات، بقدر انتشار الفضائيات الناطقة باسمها، أو الدائرة في فلكها، أو المتبنية لها بهذا الشكل أو ذاك.
لقد انتشرت هذه "الدينيات" في أعقاب الانتفاضات العربية، انتشرت كالفطر. منها من كان موجودا ومهادنا للنظم المستبدة، لكنه عمد إلى تطويع خطابه ليلائم معطيات المرحلة الجديدة. ومنها من أنشئ خصيصا ليدافع عن النظام الجديد، كما الحال بالعديد من الفضائيات المصرية ذات المظهر الديني. ومنها من استفاد من بلوغ أبناء تياره للسلطة، فأقام فضائيات له دون حواجز أو موانع، وأمعن في مناهضة غرمائه في السياسة، أو في المعتقد، أو في الفكر، أو في "المشروع المجتمعي"، أو فيما سوى ذلك.
بالتالي، فقد بتنا اليوم بإزاء عشرات الفضائيات الدينية، ذات التوجهات المذهبية الصارخة، أو المروجة لخطاب في الدين متشدد، يعمل على تأثيثه "فقهاء في الفتوى" مفوهين، وتقوم بتقديمه وجوه يبدو من هيئاتها، أن لا علاقة لها بالحرفة الإعلامية، ويطغى على "خطها التحريري" مهاجمة هذه الجهة أو تلك، مع تلوين كل ذلك ببرامج تشارف على تكفير من يخالفها الرأي، ناهيك عن دعواتها للجهاد بهذا البلد المسلم أو ذاك، "للقضاء على الظلم" أو إزاحة هذا الحاكم أو ذاك، كمدخل لإعادة إحياء الدولة الإسلامية الراشدة، أو بهذا يبشرون.
هل استطاعت هذه الفضائيات الإفادة من هذه السياقات الإفادة الإيجابية، أعني الرقي بالإعلام الديني؟ هذا أمر فيه نظر.
* "إعلام الفضائيات الدينية"، 26 غشت 2013.