Aller au contenu principal

هل هناك حاجة لعلم السياسة؟

عبد الحي المودن، منشورات رباط الكتب، الرباط، شتنبر 2012، 28 ص.

هناك مدخلان اثنان لتعريف السياسة، يستهل الكاتب دراسته: المدخل الأول يركز على ربط السياسة بالسلطة، وهي القدرة على التأثير في الناس، ودفعهم للقيام بفعل أو الامتناع عنه، سواء بشكل مباشر، بواسطة تدابير تتراوح بين درجات متنوعة من القهر والإقناع، أو عن طريق التأثير في الشروط والبنيات التي تساهم في تحديد قدرات الناس على التفكير والفعل. المدخل الثاني ينطلق من كون موضوع السياسة ليس الصراع، بل هو السلطة الشرعية.

 ويجعل هذان المدخلان من السياسة حقل السلطة والشرعية، يتابع الكاتب، أي "الحقل الذي تمارس فيه السلطة، وتوزع، وتحتكر، وتتراكم وتضعف وتستمر أو تتبدل، والحقل الذي يتم فيه الاعتراف بأحقية السلطة لمالكيها وقبولها، أو يتم الاختلاف حولها والصراع بشأنها".

  إن المعرفة بالسياسة، أو ما أصبح يعرف منذ مطلع القرن العشرين كعلم متخصص في السياسة، تحيل برأي الكاتب، إلى ما راكمه الفكر الإنساني منذ أفلاطون من صياغات وأطروحات ونظريات ومقتربات ومناهج لفهم السياسة كموضوع، وشرحها وتفسيرها والطموح إلى التأثير فيها. كما أنها "تحيل على مجالات معرفية مختلفة على رأسها الفلسفة، والتاريخ، والنصوص الدينية المقدسة والكتابات المرتبطة بها، والآداب والفنون من بداياتها وإلى اليوم. ثم كانت موضوعا مركزيا لدى مفكري الأنوار، وظهرت كموضوع مهم في كل فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي بدأت تتأسس منذ القرن التاسع عشر (الاقتصاد، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم النفس، اللسانيات، والسميولوجيا، والنقد الأدبي)، بل إنها أصبحت موضوعا للدراسة في حقل العلوم البحتة كعلم الدماغ مثلا، وأصبح علم السياسة مجالا أكاديميا منذ تأسيسه كعلم مستقل بداية في الولايات المتحدة منذ بداية القرن العشرين".

لقد أصبح هذا التخصص يشمل اليوم "الآلاف من شعب علم السياسة، ومراكز البحث، والإنتاجات التي تتصدر عن دور النشر، والمجلات والجمعيات المتخصصة. وغدت شعب العلوم السياسية موجودة في جل الجامعات الكبرى، تمنح شهادات جامعية في العلوم السياسية، وفي تخصصات فرعية متعددة لم تتوقف عن الظهور مثل علم السياسة المقارن، النظرية السياسية، الفلسفة السياسة، السلوكية، التخصصات الإقليمية، الاقتصاد السياسي، علم الاجتماع السياسي، الأنثروبولوجيا السياسية، والسياسة العمومية".

   ويلاحظ الكاتب أن هناك مجموعة من الحالات حول مسألة العلاقة بين الفكر والفعل، تتنوع ما بين كون الإنسان حيوانا سياسيا عمليا لا يحتاج إلى معرفة علمية مسبقة حول قضايا السلطة، وكون السياسة مرتبطة بالمعرفة.

 ومع أن هذه النماذج غير مكتملة ومنتقاة بشكل عشوائي، بالرغم من أن أنها تبرز التداخل الحاصل بين السياسيين الممارسين والمفكرين، إلا "أنها لا تؤكد أن الفعل السياسي هو نتاج المعرفة السياسية. إن ضبط هذه العلاقة يتطلب معرفة دقيقة بالدور المحدد الذي لعبته الأفكار السياسية، التي كان المفكرون يحملونها في صياغة القرارات والخيارات والاستراتيجيات السياسية".

 ثم إن انتقال الفكر إلى العمل لا يعني هيمنة الفكر، بقدر ما يعني فقدانه لاستقلاليته وخضوعه لمنطق السلطة السياسية. من هذا المنظور، "فإن العلم عندما ينتقل إلى حقل الممارسة السياسية يفقد الشروط العلمية التي تنبني على البحث عن الحقيقة، وعلى الموضوعية والاستقلالية، ويتحول إلى إيديولوجيا تسعى بالأساس إلى تعزيز وشرعنة مصالح جماعات في وضعية تعارض المصالح". بالتالي، فإن التقاء العلم والفعل يصبح علاقة لا يمكن أن يكون أقوى طرفيها إلا الفعل، ويصبح العلم فيها مسخرا لخدمة أغراض هذا الفعل، سواء كان الأمر متعلقا بالفعل من مركز الحاكم أو من وضع المحكوم، من موقع الدولة أو موقع المعارضة.

 إن غلبة الفكر على الفعل السياسي، وهي الوضعية المستحيلة من منظور الإيديولوجيا، تؤدي إلى حالتين بنظر الباحث. ف"هناك حالة احتواء العالم وإخضاعه لحسابات السياسي الحاكم ومنطقه، وهي التي ينظر إليها المعارضون كخيانة من طرف العالم لموقعه كمناضل معارض أو كمحايد، تتناقض وظيفته العلمية كلما اقترب من الحاكم. وتكون النتيجة هي توقف العالم عن ممارسة العلم، وتفرغه لممارسة السياسة، أو سحب المشروعية العلمية عن العالم".

 وهناك الحالة الثانية، وهي "إحساس المفكر بخيبة الأمل من عدم قدرة فكره في التأثير على الفعل.  وكانت النتيجة المتوقعة من خيبات الأمل من السياسة التي عانى منها المفكرون هي نبذ السياسة، أي نبذ الفعل، وتحصين الفكر من مطبات الممارسة عن طريق الانعزال عن السياسة".

  ويتساءل الكاتب قائلا: إذا كان إسهامات علم السياسة في الفعل السياسي غير معروفة أو غير موثقة بالشكل الكافي، وإذا كان انتقال العلم إلى حقل الفعل يؤدي إلى ضياع العلم أو  نبذ الفعل، فما هي إذن الحاجة إلى علم السياسة؟

 وينطلق للإجابة على هذا السؤال من مسلمة أن مصطلح علم السياسة كما هو متداول في الحقل الأكاديمي اليوم، يتعلق بتخصص يتميز عن بقية المعارف حول السياسية، والتي تشمل الفلسفة، والتاريخ والقانون. وكان هذا المقترب هو حصيلة الأطروحات التي تبناها مؤسسو علم السياسة كتخصص جامعي مستقل عن بقية التخصصات الأكاديمية.

 وعلى عكس الإحساس بالثقة في إمكانية التأسيس لفهم علمي دقيق للسياسة يتجاوز نوعيا تراث المعرفة السياسية الذي تراكمت خلال خمسة قرون، "تتقوى اليوم عبر العالم، قناعة أكثر تواضعا ذات نبرة ما بعد حداثية تعترف بحدود علمية السياسة، وبضرورة تفكيك العلاقة بين علم السياسة والسلطة، وباستمرار الحاجة إلى ما تحقق من تراكم المعرفة حول السياسة".

 إن الحاجة إلى علم السياسة لا تعني توظيف الأطروحات النظرية في صنع القرار، يؤكد الكاتب، بقدر ما هو استعمال الخبرات المنهجية والمعرفة السياسية في تنفيذ الخيارات والاستراتيجيات التي ينهجها المقررون.

 وعلى الرغم من التقابلات الافتراضية التي تتم بين الفكر والفعل، "فنحن لا نعرف بعد، ولربما لن نعرف قط، مدى التأثير الفعلي الموثق لهذه الأطروحات الفكرية في حقل المعرفة السياسية على الفعل السياسي... وعلى صانعي القرار سواء على مستوى الدولة أو المجتمع. ومن المحتمل أن تكون مجريات السياسة سارت بتأثيرات لا رابط بينها وبين ما أنتج من أطروحات. لكن، وكما هو الأمر بالنسبة للولايات المتحدة، فإن أفواج الطلبة تستمر في التخرج من شعب العلوم القانونية والسياسية".

تسمح حصيلة علم السياسة في العالم بأن يكون الجواب على سؤال الحاجة إلى علم السياسة إيجابيا، يلاحظ الكاتب. لكن إيجابية الجواب "ليست مرتبطة بتأثير غير موثق للفكر على الفعل، بقدر ما هي متعلقة بكون أن هذا التخصص يساهم في تهيئ طلبته إلى الحصول على عمل وإلى توظيف بعض الخبرات التي يوفرها لهم هذا التخصص، ليس بالضرورة في ممارسة السياسة أو صنع القرار والتأثير فيه، بقدر ما هو في تدبير وتفعيل الخيارات المتبناة من قبل الفاعلين السياسيين المؤثرين".

ويلاحظ الكاتب أيضا أنه بالرغم من أن الخيارات التي تتبناها القوى المعارضة كثيرا ما لا تتأسس على أطروحات نظرية، فإن تبني أطروحات نظرية كمراجع ملهمة للتيارات المعارضة لا يشكل أي ضمان محقق للنجاح، كما أكدته تجارب المعارضة الماركسية في المغرب وعبر العالم.

 ومع ذلك، يؤكد الكاتب، فإن الحاجة إلى علم السياسة تكمن بشكل خاص، "في ما توفره أطروحاته ونظرياته ومناهجه من متعة كشف سحر السلطة، وأسرارها، وأقنعتها، وحيلها، ومكرها. وهي عملية لا تقف فقط عند المتعة التي تحققها، بل هي تخلق الإحساس لدى متلقي المعرفة السياسة ومنتجها، بالحرية إزاء سيطرة السلطة السياسة، والاحتمال الممكن للتحرر من أدواتها".

نافذة "قرأت لكم"، 2 ماي 2013

Vous pouvez partager ce contenu