عدنان عبد الرحمان أبو عامر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، دجنبر 2014، 15 ص.
بمقدمة هذه الدراسة، يلاحظ الكاتب أن قطاع غزة يعيش أوضاعا صعبة للغاية، لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية التي شنت عليه مؤخرا.
ويتابع بأن ما "يزيد من الأوضاع الحرجة في قطاع غزة وانعكاساتها السلبية على الفلسطينيين، أن مصدرها ليس طرفا واحدا بعينه، بل هي أزمة متعددة المصادر: فلسطينية داخلية وإسرائيلية خارجية ومصرية إقليمية، وكل طرف يعمل لحسابات مختلفة، وربما يكون ثمة اتفاق عليها".
والملاحظ، يؤكد الكاتب، أن المصالحة التي تم التوقيع عليها بين حماس وفتح، وتشكيل حكومة وطنية في أعقاب ذلك، "لم تقدم لهم حلولا للكوارث التي يعيشونها، منذ فرض الحصار الإسرائيلي على غزة أواسط العام 2007، بل اتسم أداؤها بالسلبية في أحسن الأحوال، وربما بالتواطؤ في إدامة هذه المشاكل..."، بدليل انخفاض نسبة الرضا عن أدائها من 46 بالمائة أواخر غشت، إلى 36 بالمائة أوائل أكتوبر.
ومما يزيد من غضب الفلسطينيين أن هذه الحكومة لم تعقد أيا من اجتماعاتها بغزة، اللهم إلا اجتماعا واحدا بداية أكتوبر، قبيل انعقاد مؤتمر القاهرة لإعادة إعمار غزة.
لكن المؤشر الأوضح في إمكانية ذهاب الأمور إلى خط "اللارجعة" إنما يتمثل، برأي الكاتب، في "عزم كتلة حماس البرلمانية في المجلس التشريعي، حجب الثقة عن حكومة التوافق ومن ثم إسقاطها، على الرغم من أن الثابت أن هذه الحكومة ذاتها لم تنل ثقة المجلس من الأساس، باتفاق الجانبين فتح وحماس، على اعتبار أنها حكومة مؤقتة، وفق مهمات محددة بستة أشهر، وتنتهي أواخر العام 2014".
ومع أن هذه المبادرة هي إلى الرمزية أقرب منها إلى الفعل، فإن من شأن ذلك أن يدفع الحكومة إلى التنصل من أبسط التزاماتها وتعهداتها بخصوص غزة.
بالمقابل، فإن السلطة الفلسطينية غير متعجلة في حل مشاكل القطاع، لأنها تعتبر ذلك "إنقاذا لغزة من ورطتها المتفاقمة"، وتجعل حكومة التوافق تقوم بالحد الأدنى من خدماتها الإدارية تجاه القطاع. لا بل إن الحكومة لا ترى نفسها ملزمة بدفع مستحقات مالية ونفقات تسيير لوزارات لا تسيطر عليها.
ولهذه الأسباب، يبدو أن أفق مستقبل غزة في ظل المصالحة، بات مؤلما، "لأن كثيرا من متطلبات الفلسطينيين فيها مرتبطة ومرهونة بنجاحها، وليس أدل على ذلك من موضوع إعادة الإعمار. إذ حصلت الحكومة على تفويض فلسطيني وإقليمي ودولي بأن تشرف على إعادة الإعمار بجميع مراحله، ما يعني أن تبقى عشرات الآلاف من العائلات مشردة في العراء ومراكز الإيواء، إلى أن تستقر العلاقة بين حماس وفتح، وهو ما يبدو غير ممكن في المدى المنظور".
ومما يعقد الأمور أكثر مطاردة السلطة لنشطاء حماس بالضفة الغربية، واعتبار احتجاجاتهم احتجاجات موجهة ضدها، وهو ما يثير غضب الحركة ويفشل عزيمتها.
إن حركة حماس، يقول الكاتب، قد باتت أمام خيارات ضيقة، لا بل باتت تبحث عن فك الوثاق الذي يشتد حول عنقها. ولعل من الخيارات الكبرى التي تدرسها الحركة، الخيارات التالية:
+ تشكيل حكومة بديلة، إذا استمر تقصير الحكومة الحالية
+ التوافق على إنشاء "إدارة موسعة لقطاع غزة، مكونة من كفاءات إدارية مشهود لها بالكفاءة، تكون من التكنوقراط وغير مسيسة، وتملك القدرة على التواصل مع الإسرائيليين والمجتمع الدولي
+ خيار يشبه "تجرع السم"، من خلال المراهنة على وضع دحلان مكان عباس، باعتبار أن دحلان يمتلك عاملين يفتقدهما عباس: "النفوذ الشعبي والجماهيري في أوساط فتح داخل قطاع غزة، وشبكة العلاقات الإقليمية الواسعة، ولا سيما مع مصر التي تناصب حماس العداء في الفترة الأخيرة".
ومع أن هذه الخيارات لم يتم تفعيلها لحد الساعة، فإن حماس قد ذهبت مذهب الضغط على الحكومة الحالية، لتجاوز حالة التلكؤ والتباطؤ في تقديم خدماتها للفلسطينيين في غزة.
وفي ظل عدم نضوج الظروف لإعمال هذه الخيارات أو بعض منها على الأقل، فإن حركة حماس تدفع بطرح أنها ملتزمة بالمصالحة وبشروطها، وتعلن مطالبتها لفتح بغرض تطبيق ما تم الاتفاق عليه...كما تعمل للضغط على الحكومة الحالية وعلى رئيس السلطة الذي "يتهم" بأنه يتعامل بطريقة فئوية وتقسيمية، ويشتغل على أساس من التنسيق الأمني مع إسرائيل، التي ثوت خلف الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة بعد عدوانها عليها، لا بل ومنذ بات لحماس بعض من القوة بهذه البقعة جد الضيقة من العالم.
* "غزة ما بعد العدوان"، عدنان عبد الرحمان أبو عامر، نافذة "قرأت لكم"، 8 يناير 2015.