Aller au contenu principal

"بعض من الإنصاف بحق أبي مصعب الزرقاوي"

news-details

لم يخل مقال أو تعليق أو بيان (في أعقاب مقتل أبي مصعب الزرقاوي) إلا وذم الشخص أو تعفف من ذكر إسمه أو كال له شتى ضروب النعوت والشتائم أو انتشى بمقتله أو تحسر على عدم تمكنه من أخذ ثأره بنفسه منه مباشرة.

وإذا كانت عائلته، بمدينة الزرقاء، قد اعتبرت مقتله يوم عرس فاحتفلت به شهيدا عوض أن تفتح دار عزاء، فإن الكل تقريبا (اللهم إلا ربما بعض من رفاقه القدامى بأفغانستان كما الجدد بالعرق) قد تساوق وتسابق للقول بأن نهايته هي نهاية كابوس أسود ثوى خلفه رجل امتهن أسلوب العنف والقتل والتذبيح واعتمده مسلكا وحيدا للجهاد ومدخلا أوحدا "لإقامة دولة الخلافة" بالعراق بعدما تعذر الأمر أو لم يعد واردا، بالمدى المتوسط، بأفغانستان كما بالشيشان كما بالأردن موطنه الأصل. 

وعلى الرغم من استغرابنا الكبير من الانتشاء المبالغ فيه الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء بريطانيا وحكومة الاحتلال بالعراق وما سواهم بجهة اعتبار الأمر انتصارا مبينا (أي انتصار، فما بالك أن يكون مبينا، عندما تقتل ترسانة عسكرية بحجم الترسانة الأنجلو/أمريكية شخصا متأبطا بارودة من بضع رصاصات؟)، فإن الثابت حقا أن مقتل رجل من حجم الزرقاوي قد ساعد الولايات المتحدة على تنفس الصعداء بعد كل ما شاع حول تنكيلها بالعراقيين وقصفهم بالطائرات وتقتيلهم أفرادا وجماعات (كما تم ذلك بحديثة وبغيرها) مقابل تضييق المقاومة العراقية من الخناق على حركة جنودها وتحركاتهم.

لا يبدو من الأهمية كثيرا الثناء على الشخص أو ذمه (فهو بكلا الحالتين بين يدي ربه يقتص منه بالاحتكام إلى ما قدم وأخر)، بقدر أهمية إبداء بعض الملاحظات الأساس التي لا يمكن التجاوز عليها حتى بتسليمنا أن الرجل كان مندفعا، عدواني الطبع، موغلا في التطرف، دموي السلوك، طائش الأهواء، عديم الرحمة بأعدائه كما ببعض من أبناء ملته:

+ فالرجل اقتنع (عن تعمق أو بحكم الاستقطاب السهل) أن الظلم (الداخلي منه كما المتأتي من الأمريكان تحديدا بأفغانستان كما بالعراق كما بغيرها من بلاد المسلمين) إنما يستوجب الجهاد بالمال إن كان لصاحبه منه نصيبا (وهو لا يحتكم عليه كونه سليل عائلة فقيرة معدمة) أو بالنفس إن كان لا سبيل آخر يذكر في ذلك... وكان الثاني هو سبيله بامتياز بحكم الشباب وانتعاش الظروف وتوفر البيئة العالمية وما سوى ذلك.

وعلى هذا الأساس، فإن استهدافه للمخابرات الأردنية مثلا أو لبعض من المصالح الحساسة الأخرى (بما فيها الفنادق) إنما برر له بتعامل النظام مع إسرائيل وتنسيقه الأمني مع الأمريكان منذ سقطت بغداد ناهيك عن مناهضته للنظام (النظام الأردني يقصد) كونه "لا يحكم بما أنزل الله".

+ والرجل صرح، دونما مواربة أو تلكؤ (منذ وطأت قدماه أرض العراق المحتل) بأن الذين يستهدفهم إنما هم الأمريكان بالتحديد ومن يتعاون معهم من جيش أو شرطة، من أعراق أو طوائف، من ملل أو مذاهب تدور في الفلك الأمريكي. فاستحل دم الأولين في حين حذر الآخرين من مغبة الاستمرار في مهادنة المحتل أو الدوران في فلكه أو معاضدته بأرض المعركة لدرجة ذهب به الأمر حد  تكفير بعض من السنة والكثير من الشيعة.

هو ليس فقيها مبرزا أو عالم دين مقتدر (حتى بحفظه للقرآن بالسجن في عمان) بالإمكان الاعتداد برأيه أو أخذ اجتهاداته مأخذ الجد، لكن إشارة الشيخ حارث الضاري إلى ممارسات فيلق بدر الشنيعة ومقتل أكثر من أربعين ألف سني في ظل حكومة الجعفري تشي بأن الرجل كان يعلم درجات التواطؤ والمسؤوليات فيما يجري بالعراق من تنكيل وتقتيل لأهل السنة.

بالتالي، فإذا لم يتسن لنا الاتفاق معه حول مسألة التكفير (كما حول ما نسب إليه من أعمال تفجير للمساجد والحسينيات وأخذ الأجانب بجريرة حكامهم وما سوى ذلك)، فإن اعترافات هيئة علماء المسلمين وتسميتها للميليشات التي تقوم على التقتيل إنما يدلل على أن الرجل يدري ما يقول .

+ والرجل كان طالب شهادة، مستعجلا لها... على الأقل بحكم طبيعة الجهاد التي تؤسس لقناعاته الكبرى. وكان، منذ تواجده بأفغانستان كما يوم قرر القدوم إلى العراق، ذاهبا لها لا ينتظرها بحجرة أو زاوية من حجرة... كانت روحه بين يديه ليل نهار لدرجة يجوز القول إنه كان مساكنا للموت في حله وترحاله.

وعلى هذا الأساس، فلم تكن الموت مباغتة له على الإطلاق. كيف للموت أن تباغته وهو قد مضى إليها منذ أنشأ تنظيمه وحارب الأمريكان بصلابة ندر مثيلها لدرجة لم يكن لهم ليتعرفوا على وجهه لولا ظهوره بالتسجيل صوتا وصورة (ولربما كان في ذلك مقتله)؟

وإذا كانت المقاومة العراقية تتبرأ منه جملة وتفصيلا ولا تعتد بأسلوبه وتطعن في شرعية "جهاد" يأتي على الأخضر واليابس دون تمييز، فإنها لم تكن لتزايد عليه استهدافه للأمريكان و" تدويخه" لهم لدرجة أفردوا معها الملايين لمن يدلي لهم بمعلومات حوله أو حول مكان تواجده وجهة تحركه.

من المبالغة الكبرى حقا القول بانتهاء قاعدة بلاد الرافدين بمقتل أبي مصعب الزرقاوي أو الادعاء بأنها تلقت الضربة القاضية أو بمقتله قصم ظهر "الإرهاب" أو المقاومة بالعراق. من المبالغة القول بذلك ليس فقط لأن الإرهاب الحقيقي إنما يقوم به هناك الجيش الأمريكي وإسرائيل وميليشيا الطوائف، ولكن بالأساس لأن تنظيما كتنظيم القاعدة إنما يخضع في بنيانه لخاصيتين اثنتين تحول دون إمكانية تقويضه بسهولة:

°-  أولا، طبيعته الشبكية ذات التوجه الأفقي التي لا تتأتى الأوامر عبرها من الفوق، بل من تفاعلية المستويات الدنيا حيث نسبة المسؤولية شبه متساوية في التنظيم بين من يخطط وبين من ينفذ لدرجة قد لا يستطيع المرء معها معرفة المخطط من المنفذ بالتحديد.

°- وثانيا، إفرازه التلقائي للعناصر المشتغلة به إذا ما تم تغييب الموت لأحد عناصرها أو تم التضييق عليها لهذا السبب أو ذاك... كما كان الحال بأفغانستان أو كما تمت ملاحظته بأرض الشيشان.

وإذا اكتفى الأمريكان بمجرد عرض رأس أبي مصعب الزرقاوي (كما لو أرادوا أن يقولوا له: "هذا رأسك يا قاطع الرؤوس")، فليس للتوكيد من لدنهم على أن الشخص هو يقينا الزرقاوي، ولكن لتوظيف بعض "عناصر النصر" التي لم يذقها الأمريكان هنيهة واحدة منذ احتلال بغداد.

مرة أخرى: ليس المهم ذم الشخص أو الانتشاء بمقتله، يكفي أنه أرق الأمريكان وأفسد عليهم تصوراتهم ونغص على المتعاملين معهم...

هذا لوحده يشفع لأبي مصعب الزرقاوي ويدعو للترحم عليه والدعاء له بأجر واحد.

* "بعض من الإنصاف بحق أبي مصعب الزرقاوي"، التجديد العربي، 12 يونيو 2006، جريدة القدس العربي، 23 يونيو 2006، موقع البديل العراقي، 23 يونيو 2006.

 

 

 

Vous pouvez partager ce contenu