تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في أن الجمع بين السلطة والسوق مفسدة كبرى"

الجمع بين السوق والسلطة مفسدة كبرى.

 السوق مجال الكسب، والمنفعة الخاصة المباشرة. أما السلطة، فهي مجال من ينذر جهده لمصلحة الجماعة، دون غاية في التربح. نحن بالحالتين معا، بإزاء خيار في الموقف واختيار للموقع.

تتأتى عناصر المفسدة من تطلع رجل السلطة كي يكون فاعلا في السوق، مباشرة أو عبر مقربين ووكلاء، أو من خلال وسطاء. وتتأتى أيضا من نزوع الفاعل بالسوق ليكون له موطئ قدم بالسلطة، إما عن طريق انتداب بعهدة انتخابية، أو من خلال تطلعه للحصول على تفويض، يتبوأ بمقتضاه مقاما يمنحه إذا لم يكن كلمة الفصل بالسوق، فعلى الأقل موقعا يمكنه من التأثير على وظيفته ودوره.

الفاعل بالسوق مؤتمن على ماله الخاص فقط. يتدافع ويناور ويتحالف ويدود عليه وفق قواعد في اللعب من صنع آليات السوق ذاته، حتى إذا تجاوز أو هيمن، تردعه القواعد إياها، فيدفع للانضباط من جديد، احتكاما إلى نواميس "اليد الخفية" التي تعتبرها مبادئ الليبرالية إحدى أسس تنظيم العلاقات بين عارضي السلع والخدمات وطالبيها.

لا دخل للسلطة هنا بالمرة، اللهم إلا، وفي الحد الأدنى، تقنين وتوثيق ما توافق الفاعلون عليه أو ارتضوه قاعدة للتباري الحر. الأصل في هذه الحالة، ألا تسن قوانين أو تشريعات تفسد نسق المنافسة، أو يكون من شأن إعمالها بالسوق مساسا بقواعد لعبة سيعتبرها الفاعلون حتما، فعلا هجينا لا يجوز، لأنه دخيل. سيلفظونها بالتدريج حتى وإن فرضت قسريا وبالضغط المباشر.

السلطة هنا ليست حكما بين الفاعلين، حتى وإن كان لها أن تتدخل كدركي ينادى عليه لفض نزاع متعسر. إنها صاحبة رأي ومذكر فقط، وسيط لا ضرر في الاستئناس بتحكيمه استثناء، لاستعادة بعض عناصر ثقة تكون قد فقدت، أو ألحق غيابها ضررا بمنظومة السوق.

وبما أنها ليست حكما بين الفاعلين، فهي أيضا وبتحصيل حاصل، ليست خصما لأحد، تداري غريمه أو تحميه أو تتغاضى عن سلوكه. الأصل في سلوكها هو السهر "من بعيد"، على نسقية في السوق هي بداية وبالنهاية، من صنيعة فاعليه.

أن تتحول السلطة إلى خصم معناه أنها تصبح فاعلا بالسوق مباشرا، بوجه مكشوف أو من وراء ستائر عدة. لها بالتأكيد أن تلج "سوق" البنى التحتية الكبرى والقطاعات المهيكلة، لأن ذلك من وظائفها الأساس، لكن ولوجها للسوق إياه لا يجب أن يتعدى مراحل "التسليم"، وألا تكون غايته خدمة هذه المصلحة الخاصة أو تلك.

بيد أن السلطة هنا، وهي المحتكمة على عناصر القوة الخشنة، ليست مضطرة، وقد باتت فاعلا بالسوق، للقبول بقواعد في اللعبة محددة سلفا. إنها لا ترضى بهذه الأخيرة إلا إذا ضمنت لها جزءا معتبرا من فائض القيمة المتداول.

لذلك، فهي لن تتوانى في استصدار القوانين والتشريعات بما يتماشى مع وضعها المستجد كمكون قسري من مكونات السوق.

بالمقابل، نجد أن الفاعل الأصلي بالسوق لا يكتفي بما يتحصل عليه من فائض قيمة تفرزه المنافسة تلقائيا، بل يتطلع إذا لم يكن لتثمينه، فعلى الأقل لضمان انسيابيته إن حدثت تقلبات بالسوق، أو طرأ عليه ما يفقده توازنه كلية أو جزئيا.

لذلك، نجده لا يتردد هو الآخر في البحث عن عهدة انتخابية بالتشريعيات (قد تبلغه مبلغ الاستوزار) أو بالمجالس المنتخبة الأخرى (جهات ومجالس عمالات وأقاليم وجماعات وما سواها)، إما بغرض توفير الحماية الكافية لمشاريعه بالسوق، أو ليفتح بواسطتها "خزائن" صفقات عمومية باتت تحت يده أو على مرمى حجر منه، أو ليتحايل عن طريقها على متابعات أو تلاعبات أو تحايلات على الضرائب، يحول موقعه وحصانته دون إثارتها أو فتح ملفاتها أو طرحها أمام القضاء.

يصبح "الفاعل السياسي" القادم من السوق خصما لا يرد له قول أو أمر، فما بالك أن يقف المرء في وجهه بالسوق: يقدم ملفه للصفقات، فترسو عليه، ثم لا يتوانى في استصدار أو التحايل على التشريعات والقوانين، ليحول المنافسة بالسوق إلى وضعيات احتكار تصادر فائض القيمة بالجملة والتفصيل.

عندما ينتقل الفاعل الأصلي بالسوق إلى ردهات السلطة، فهو لا يتردد في إعمالها بالسوق، حتى وإن داست قراراته على المنافسة، أو أدت القرارات إياها إلى دفع باقي الفاعلين للإفلاس، أو الاشتغال تحت جناحيه في المناولة مثلا، مهابة الاندثار بجريرة "غضبة" منه، فيتحولون جراء ذلك إلى أذلة بعدما كانوا أعزة بالسوق.

ولهذا السبب، نرى أن قطاعات واسعة بالسوق غالبا ما تخضع لمنطق الاحتكار ومزاجه، ليس لأنها عصية على المنافسة، بل بسبب زواج بين السلطة والسوق، هو إلى الإكراه والإذعان أقرب منه إلى الرضا والتوافق.

لنتأمل في النماذج التطبيقية التالية بخصوص المغرب، كي تتضح الصورة أكثر:

°- وزير مالية سابق يتواطأ مع زميل له بالحكومة مكلف بالتجارة والصناعة، تم استقدامه على عجل من عالم المال والأعمال لاستوزاره (وهما معا من نفس الحزب)، ليدخلا تعديلا على مشروع لقانون المالية لم يثر انتباه أحد ولم يتوقع أحد تبعاته، ليتبين بعد اعتماد القانون إياه، أن التعديل منح الوزير/رجل الأعمال إعفاء ضريبيا بملايين الدراهم، نظير تفويته لأسهم شركته الخاصة للتأمينات لمؤسسة جنوب إفريقية. حالة نموذجية صارخة لفاعل "أصلي" بالسوق، دخل عالم السياسة ليتحايل على القوانين، بغرض خدمة مصلحته الخاصة، دون أدنى اعتبار لما هي مصلحة الدولة، فما بالك المصلحة العامة.

°- وزير في الصحة، يملك شركات خاصة بالقطاع الذي يشرف عليه، لا يتردد في منحها الصفقات وضمان ولوج السوق لسلعها ضدا على المنافسة، وعلى مبدأ التباري الحر المعتمد بالصفقات العمومية. إحدى الشركات الطارئة تحصل في عهد الوزير إياه، وفي ظل جائحة كورونا، على صفقة بحوالي 14 مليار سنتيم، مع أنها مسجلة بصندوق الضمان الاجتماعي بمستخدم واحد لا غير. نحن هنا أيضا، بإزاء "رجل سلطة" يستصدر السوق والمنافسة وقوانين الصفقات العمومية، لخدمة مآربه الخاصة، أو من هم في محيطه المباشر.

°- وزير في التربية والتعليم، جاء للوزارة على خلفية من امتلاكه لسلسلة واسعة من المدارس والمعاهد والمؤسسات الخاصة، فأغدق عليها العطايا والامتيازات...وزير آخر سبقه بنفس المنصب، احتمى بموقعه بالسلطة، ليقتني من شركاته في المعلوميات "لفائدة" الوزارة، أجهزة وحواسيب وبرمجيات وما سواها، ضدا على المنافسة أو بتحايل مباشر عليها.

هذا غيض من فيض، يبين في الحالات مجتمعة، منسوب التنافي وتضارب المصالح، المترتب عن زواج السلطة بالسوق، والذي لا يستطيع المرء الإفلات منه، اللهم إلا إذا بلغ من التقوى ما يدفعه للتضحية بمنصبه، بطعن في العقد أو بدعوة إلى فسخه.

من عاشر المستحيلات، والحالة هذه، أن يستقيم السوق إذا تسنى لكائنات السلطة أن تغزوه أو تتربص بفاعليه. ومن عاشر المستحيلات أيضا أن يطلب "الفاعل الأصلي" بالسوق، بعهدة انتخابية لبلوغ مراكز السلطة، إذا لم يكن دافعه الأساس الدود عن مصالحه المباشرة فيه، غنيمة مباشرة، أو تهربا من الضرائب، أو بحثا عن حماية لسلوك صادر عنه، مدان.

في الحالتين معا، تتم التضحية بالمصلحة العامة جهارة، ويتم التلاعب بآليات السوق، بما لا ترتضيه مبادئ المنافسة ولا يقبل به منطق التباري الحر.

الخلط بين السلطة والسوق مفسدة كبرى. من يدفع به أو يشجعه أو يشرعن له المسالك، فهو بالقطع فاسدا، لا صفة لديه إلا ضمن عموم الفاسدين، المفسدين.

يقال إن ترسانة القوانين والتشريعات القائمة بالمغرب تضاهي ما هو موجود بالبلدان المتقدمة الكبرى. ويقال أيضا بأن لدينا من المجالس والمؤسسات ما يضمن حماية واسعة للسوق وتأمينا عمليا للمنافسة من بين ظهرانيه... جائز...لكن هذا لا يجيب على السؤال الجوهري الأصل: من أين يأتي الفساد الملازم لنا إذن؟

16 ماي 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال