تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"سوق الاحتكار"

عندما تسود المنافسة بالسوق، فإنها تمنح هذا الأخير نسقيته وانسيابيته، وتمنح الفاعلين، منتجين ووسطاء ومستهلكين، حدا أدنى من الثقة والأمان. نفترض والحالة هذه، أن المنافسة، حتى وإن لم تكن حرة وشريفة في المطلق، فإنها تحيل على شكل من التوازن لا يؤثر إلا عرضيا على تدفق السلع، وعلى مستويات الأسعار الجارية.

بيد أن الاحتكار ينسف كل ذلك في جملته وتفصيله. إنه ينهل من بنيات إنتاج مختلفة عن المنافسة، وينبني على "منطق سلوكي" يأخذ الاحتكار بموجبه مكان السوق ويقوم مقامه. إنه يصبح السوق نفسه، فيما يتراجع "السوق الحقيقي"، سوق المنافسة، إلى الخلف.

"السوق الحقيقي"، أي السوق في ظل المنافسة، قد يفرز حالات احتكار متنوعة، إما جراء اقتصاديات في السلم مرتفعة، أو بسبب استراتيجيات في التحالف والانصهار قد يقدم عليها بعض الفاعلين عموديا أو أفقيا، أو نتيجة الاندغامات المتعددة التي قد يعمد إليها هذا الفاعل أو ذاك، طواعية أو تحت الإكراه. وقد يكون نتيجة ارتفاع كبير في التكاليف، يتعذر معها الاستثمار أو الاستمرار فيه، إذا لم تتكفل به جهة واحدة، يمنح لها الامتياز، كما الحال بالشبكات الكبرى، من سكك حديد واتصالات وماء وكهرباء ومفاعلات إنتاج الطاقة وما سوها. نكون والحالة هذه بإزاء ما يسميه الاقتصاد الصناعي ب"الاحتكار الطبيعي".

في الحالات العادية، يؤدي اشتداد المنافسة إلى دفع الفاعلين إلى اعتماد "منطق سلوكي" يفضي إلى حالة احتكار قصوى أو "مقبولة"، قد تطول وقد تقصر وفق السياق، وحسب ترتيبات كل واحد من الفاعلين إياهم.

نكون في المحصلة، بإزاء حالة من المنافسة الاحتكارية التي تنهل جزءا من منطقها من الاحتكار، والجزء الآخر من المنافسة، بما معناه أننا نكون بحالة من التوازن الهش الذي سرعان ما ينتقل إلى اللاتوازن بحالة الاحتكار، وإلى التوازن النسبي إن اشتدت المنافسة بين الاحتكارات، وانتفى هامش "الثقة" القائم بينها. يتم الحديث بهذا الخصوص عن "توازن الاحتكار".

قد يرتفع، نتيجة ذلك، نصيب هذا الاحتكار أو ذاك (حصته من السوق أقصد)، وقد يقل. كما قد يتقدم منسوب المنافسة بين الفاعلين جميعا (على قلة عددهم) وقد يتراجع. لكن ميزان "الحصة من السوق" لا يكفي هنا لقياس درجات الاحتكار ولا لضبط مؤشرات المنافسة. إذ القياس بالسوق إنما يرتكز على معيار قدرة الفاعلين، كثرا أو معدودين، على تحديد "كميات" السلع والخدمات المعروضة، ومن ثمة على تحديد الأسعار التي تحكم الاقتناء.

التوازن هنا ليس توازن السوق (أي التوازن المترتب عن المنافسة). إنه التوازن بين الاحتكارات الكبرى وقد تسنى لها أن ترهن السوق بعدما استوطنته، وباتت هي بديله الحتمي، في الطبيعة كما في الشكل. نكون والحالة هذه، بإزاء الاحتكار وليس بإزاء السوق. هذا نفى ذاك واستدمجه في ذاته.

بظل المنافسة، ينتج الفاعل وهو يدرك أن محك ما سيعرض إنما تحدده طقوس العرض والطلب. هي التي تنبئ بخاصيات السلعة. وهي من يؤشر على السعر المترتب عن ذات الطقوس. بالاحتكار، ينتج الفاعل الواحد وفق تكاليفه الحدية، ويبيع بالسوق بسعر قد لا يحتكم للتكلفة بالمرة، وإن احتكم إليها، فمن باب قياس منسوب الربح الحقيقي المتأتي من العملية برمتها.

لا يأتي الاحتكار دائما من صيرورة المنافسة، حتى وإن أحالت في أقصاها على المنافسة الاحتكارية. لو أحالت عليها صوبا، ستكون هي السبب الوحيد فيه، وهي مصدر الأذى الذي قد يبلغ الفاعلين. قد يأتي الاحتكار أيضا من وصول مفاجئ لفاعل جديد، يلج السوق وهو في حالة منافسة أو احتكار جزئي، ف"ينزل" بمستجد تكنولوجي غير مسبوق، يقلب المعادلة رأسا على عقب، ويفرض بجريرة ذلك، ترتيبات لا قبل لكبار الاحتكارات بها، فما بالك بالمحتكمين للمنافسة.

المثال الأبرز في ذلك إنما ولوج محرك البحث غوغل لسوق الإنترنيت. لقد ولجه بمحرك بحث من مواصفات مستجدة، كان من تبعاتها المباشرة والآنية دفع محرك ياهو للانهيار، والانكفاء على نفسه في سوق لم يعد له به القدرة الكافية على الصمود، دع عنك أن يكون بمقدوره أن ينافس أو يناور.

تحدي الاحتكار في هذه الحالة، متأت من ظروف موضوعية، ومن خارج السوق فضلا عن ذلك. إذ لم يكن غوغل يوما فاعلا بالسوق، ولا كان له به وضعية احتكار جزئية، أو خاض تجربة التحالف مع فاعل آخر كي يتحكم في السوق. غوغل ولج السوق، و"ورقة الاحتكار" في يده، أدركها بالبحوث التي أقدم عليها وبالمجازفة التي ركب ناصيتها.

 قد نسلم بأن الأمر لا يعدو غير كونه تعويضا لاحتكار باحتكار. وهذا صحيح إلى حد ما. بيد أن الاحتكار بهذه الصيغة لا يلغي بالمرة احتمال أو فرضية قدوم المنافسة من جديد، قد تنازعه أو تهدده أو تقوض وضعه القائم، حتى وإن عمد إلى تلغيم سبل الوصول.

لسائل أن يسأل: هل قدوم الفاعل الجديد (غوغل مثلا في حالة محركات البحث) جاء بنية كسر شوكة ياهو، وتدمير قواعد اللعب بالسوق؟ فيكون الجواب: ليس من المؤكد ذلك، إذ من "يدفع" بمستجد تكنولوجي (اختراعا أو إبداعا أو تطويرا أو تحسينا لمواصفات ما هو قائم) لا يملك الضمانات الكافية التي تمكنه من الاطمئنان إلى منسوب ما في القبول أو الإقبال على ما يعرض. هو سلوك أذكته ثقافة المجازفة، التي قد تدفع بصاحبها للهلاك، كما قد تجعل منه أس معادلة السوق بدون منازع.

من المؤكد أن كل احتكار يعمل على تحصين نفسه. ولا يتم له ذلك إلا بوضع حواجز للولوج، ثم بممارسات في الضغط تجعل كل مفاصل السوق "تحت أعينه". لكنه مع ذلك، يبقى تحت مرمى "مغامر" جديد، قد يفاجئ الاحتكار بمستجد يزعزع عبره ومن خلاله كل التوازنات القائمة.

سلوك "المنافس المحتمل" غالبا ما يدفع الاحتكار لتخفيف الضغط، لكن ذلك لا يحول دون استمرار الوضعيات الاحتكارية ولو إلى حين.

لو بنينا على القول أعلاه للنظر فيما يجري بالمغرب، للاحظنا أن الاحتكار لا يأتي كتطور تدريجي لسلوك تنافسي بين فاعلين معدودين بالسوق. وللاحظنا أيضا ألا مستجدات كبرى تطرأ على هذا "الجيب" من السوق أو ذاك، قد يكون من شأنها زعزعة التوازنات القائمة.

بيد أننا لا نملك إلا أن نلاحظ أن الاحتكار بالمغرب لا يلج السوق إلا و"بوليسة الاحتكار" في جيبه، تفتح له المسالك، تبسط له المساطر و"تزين له المداخل"، كي يصادر السوق برمته، بعدما يطرد المنافسة أو يطاردها إن تمنعت. إنه يأخذ مكان السوق، يصادر مجاله ويصعد محرابه "ليخطب". لا نصبح هنا بإزاء احتكار للسوق كما عهدناه بأدبيات الاقتصاد الصناعي...نصبح بإزاء سوق للاحتكار، يذهب السوق بجريرته ولا يبقى إلا منطق الاحتكار.

يمكنكم مشاركة هذا المقال