تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"منظومة الفساد"

الفساد آفة الآفات، ولعلها المبشرة بانهيار العمران، المؤذنة بقدومه. كلما ادعى المرء القدرة على محاربته بأفق التخفيف من تبعاته لا الإجهاز عليه نهائيا، كلما انبعث من حيث لم يحتسب له، فانتشر من جديد كالسرطان المفترس، ووسع من نطاق فعله كي يطال بقية الأطراف السليمة، ثم يزرع العدوى في صلبها.

لا يكاد المرء، بالمغرب تحديدا، يعثر على قطاع أو مرفق أو مصلحة، بالمركز كما بالجهات والأقاليم، لم يطله الفساد بكل صيغه وأشكاله وتلاوينه ومستوياته، رشوة أو اختلاسا للمال العام، أو زبونية أو محسوبية أو محاباة أو ما سواها.

ثم هي آفة عامة، تكاد تكون شاملة، إذ نعاينها بأبسط المرافق الإدارية بأصغر جماعة منتخبة، إلى أعلى مستويات الدولة من وزارات وإدارات مركزية وقضاء، عبورا لكل المصالح الوسيطة التي تقوم عليها الجهات أو المجالس الإقليمية أو دهاليز العمالات.

هي "ماكينة" حقيقية لا يفلت من عقالها إلا من تسنى له أن يشتغل "بعيدا"، بمنأى عنها، أو بمعزل عن دوائرها، أو في أحسن الأحوال، عندما يكون غير مضطر ولا مكره على الانتظام في سلك من أسلاكها.

ثم هي فعل يتجاوز على القوانين والتشريعات، ولا يكترث البتة بمبدأ الحق والواجب الذي تسنه الدساتير في مقدماتها. إنه يصل، وبأدوات شتى، حد الإسهام في صياغة جزء من هذه القوانين والتشريعات، عبر وكلاء له بالوزارات والمؤسسات العمومية وبمؤسسة البرلمان أيضا.

الفساد منظومة إذن وبكل المقاييس، لأنه يطال كل مفاصل الدولة والمجتمع، أفقيا وعموديا، فينخرها من الداخل كما ينخر السوس الجسم العليل، فيجهز عليه بالتدريج.

لا ينحصر الطابع المنظومي لظاهرة الفساد في بعدها المادي الخالص، على اعتبار الجهات المؤسساتية التي تثوي خلفها، بل يتعداه إلى البعد الرمزي أيضا، فيصبح الفساد نسقا في التمثل والسلوك، ويغدو المواطن غير قادر على الإفلات من شراكه، لينتهي به المطاف إلى القبول به والتطبيع معه على مضض، بعدما يكون قد دفع إليه دفعا.

لا يعني الأمر أن المواطن هنا يسلم فقط بالفساد جراء سياسة التطبيع القسري التي فرضت عليه. إنه يسلم به من باب أنه بات عاما وشاملا، وثمة جهات تدفع به أو تتستر عليه، أو تحميه، أو تغض الطرف عنه، أو لها في "سيادته" مآرب مباشرة، أو رهانا مضمرا لا يدركه المرء إلا بعد حين، أي بعد أن تنفجر هذه الفضيحة أو تلك، على يد فاسد كان إلى حين عهد قريب يدعي الطهرانية والتقوى.

يترتب على هذا "التمثل"، وقد بات متقاسما، أن المواطن لا يكتفي بسحب ثقته في المؤسسات، المنتخب منها كما المعين على حد سواء، بل يذهب الأمر به حد القبول بالتعامل معها على أساس أنها مؤسسات فاقدة للثقة، لكن "عبورها" إلزامي، لا مندوحة عنه.

يدرك المواطن، والحالة هذه، أنه قطعا بإزاء إدارة مرتشية وقضاء طال الفساد العديد من مفاصله، لكنه لا يتوانى مع ذلك في اللجوء إلى "خدماتهما"، إما من باب كونه الحلقة الأضعف في البنيان، أو لأنه ارتضى التعامل معهما بمنطوقهما، لا بمنطوق ما ينص عليه القانون أو تستسيغه الأخلاق.

بالآن ذاته، فإن المستثمر، محليا كان أم أجنبيا، ينتهي به الأمر هو الآخر "للسقوط" في مستنقع الفساد، عندما يقبل مضطرا أو "عن طيب خاطر"، الاشتغال من داخل دواليبه وفي إطار منظومته. يترتب عن ذلك تعميقا "للجرح"، بصورة تبذير بين للمال العام، أو من منطلق وقع ذلك على منسوب إنتاج الثروة أو توزيعها بين الأطراف.

ولذلك، فإن العناوين التي غالبا ما تصاحب شعارات محاربة الفساد، غالبا ما تكون إما قاصرة عن تحديد المبتغى، أو غير قادرة على ترسيم المأمول.

فعنوان "تخليق الحياة العامة" مثلا، لا يعبر كثيرا عن جوهر المطلوب المراهن عليه، إذ يتعامل مع ظاهرة الفساد باعتبارها مسألة أخلاقية خالصة، فيما الفساد والمفسدون "لا يشتغلون" احتكاما لهذا الأفق ولا بالبناء على مبادئه. إنهم يشتغلون على النقيض منه تماما، وإلا فبأي معيار أخلاقي نحاسب المرتشي أو المبتز أو المساوم أو ما سواهم جميعا؟

يشي العنوان أيضا كما لو أن لدى هؤلاء خصاص في الأخلاق، فوجب بالتالي حقنهم بجرعات منها إضافية علهم يتفكرون، فيما المستوى الأخلاقي غير مستحضر من لدن هؤلاء بالمرة، وإلا فما أخلاق من يقتص من فائض القيمة العام لمصلحته الذاتية، وهو يدرك أنه بذلك إنما يدفع أصحاب المصلحة العامة للمهلكة، في أرزاقهم وصحتهم ومستويات تمدرس أبنائهم، دع عنك الفرص التي يضيعها على التنمية ومصادر إنتاج وتوزيع الثروة؟

أما عنوان "محاربة الفساد" الذي غالبا ما يتم رفعه هنا أو هناك، فهو يحيل على زاوية المعالجة القانونية للأسباب والأشكال التي يتخذها الفساد في الزمن والمكان.

يستوجب الأمر، وفق هذه الزاوية، تشديد القوانين الزجرية وتجريم الممارسة. ويستوجب أيضا إعمال صلاحيات المؤسسة التشريعية عبر لجان التقصي والتحقيق. ويستوجب فضلا عن ذلك، ضمان الاستقلالية الواسعة للقضاء، كي "يضرب بيد من حديد" دون إكراه أو ضغط أو إملاء.

وهي زاوية ضرورية حتما، لكنها تبقى غير كافية بالقياس إلى حجم الفساد ومدى انتشاره والمستويات الثاوية خلفه، أو الحامية له، المتسترة على فاعليه.

بيد أن ذات المقاربة تفترض جدلا توافر "حسن النية"...وأنا لا أراها متوافرة فيمن يعمد إلى سحب مشروع قانون "الإثراء غير المشروع" من البرلمان، في رسالة مباشرة لمن يتخذ من الفساد ذريعة للاغتناء والإثراء، ثم لتدمير الاقتصاد والمجتمع.

يمكنكم مشاركة هذا المقال