تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

من زمن الكبار إلى زمن "الكراكيز".. يحيى اليحياوي يشخّص أزمة النخبة المغربية

هبة زووم – الرباط


في واحدة من تدويناته التي تثير تفاعلاً واسعاً كلما اشتدّ الجدل حول مسار الدولة والمجتمع، وجّه الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي نقداً لاذعاً لما يسميه "الانهيار الهادئ" في إنتاج النخب بالمغرب خلال ربع القرن الأخير.


وبقلم حاد ونبرة تقترب من الألم الفكري، طرح اليحياوي سؤالاً صادماً: لماذا عجز المجتمع المغربي، طوال أكثر من عقدين، عن إفراز نخب ثقيلة كما فعل في زمن ما بعد الاستقلال وحتى نهاية التسعينيات؟


اليحياوي، المعروف بقراءاته الجريئة لبنية السلطة والمجتمع، استحضر أسماء شكلت أعمدة الفكر والثقافة والسياسة في المغرب، من قبيل عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، بول باسكون، حسن بنعلي، المهدي المنجرة، محمد جسوس، المساري، المجاطي، الطيب الصديقي، عبد السلام عامر، فاطمة المرنيسي، الدكالي، بلخياط، لعلج… ثم رجال السياسة من وزن عبد الرحيم بوعبيد، محمد بوستة، علي يعتة، وآيت يدر.


جيل كامل من الرواد الذين تركوا بصمات متفرّدة، وأسّسوا تقاليد فكرية وثقافية وسياسية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية.


لكن حسب اليحياوي، فإن قطار النخبة توقف عند تلك المرحلة. لم تستطع الأجيال اللاحقة إنجاب "كبار" من طينة الرواد، ولم يتمكّن الحاضر من إنتاج رموز تمتلك القدرة على التأثير وصناعة الاتجاهات الكبرى.


وبلهجة قاسية، وصف الباحث جيله بأنه "جيل كراكيز"، لم ينجح في استنبات شخصية فكريّة أو سياسية أو فنية من وزن هؤلاء الذين صنعوا عصرهم.


أما المستقبل، فيراه اليحياوي أكثر هشاشة، متوقعاً أن يفرز "جيل الشباب السائل"، جيل بلا تمثلات كبرى، بلا مرجعيات قوية، وبلا أدوات صلبة لمقاومة التفاهة والتسطيح.


وفي تشخيصه لأسباب هذا الانهيار، يوجّه اليحياوي أصابع الاتهام إلى التنميط واغتيال ثقافة التدافع، معتبراً أن المجتمع أصبح "مصطفاً"، يسير وفق إيقاع واحد، بلا اختلاف ولا صراع منتج، وبلا رأي مضاد قادر على خلق الحيوية المطلوبة. ويختزل الوضع في عبارة مكثفة: "ثقافة القطيع جرفتنا".


وفق هذا التحليل، لم يعد المشكل في غياب الكفاءات فحسب، بل في قتل شروط ولادتها: تراجع التعليم، هشاشة الإعلام، اختطاف السياسة من قبل اللوبيات، تدجين الحقول الثقافية، وإخضاع المجتمع لمسارات استهلاكية تُنتج أفراداً بلا مشاريع فكرية أو طموحات كبرى.


هكذا تبدو الأسئلة التي يطرحها اليحياوي أشبه بجرس إنذار، لا يكتفي بتوصيف أزمة النخب، بل يضع المغرب أمام واحد من أخطر تحوّلاته: مستقبل بلا رموز، بلا قادة، بلا بناة مشروع تاريخي جديد


وإلى حين ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: هل يعيد المغرب يوماً إنتاج "الكبار"؟ أم أننا بالفعل دخلنا زمن "جيل الكراكيز"؟

 

هيبازوم، 1 دجنبر 2025

https://www.hibazoom.com/article-196069/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال