هبة زووم – الرباط
بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية داخل المغرب، يلفت الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي الانتباه إلى ما يجري خارج الصورة، حيث تُدار الجغرافيا لا باعتبارها فضاءً للعيش، بل باعتبارها غنيمة استراتيجية تُقسّم وتُجزّأ وتُعاد هندستها على مهل، وبهدوء مريب.
إسرائيل – وفق هذا المنظور – لا تحتاج إلى ضجيج الدبابات بقدر ما تحتاج إلى صبر الخرائط. فحين شُطرت الصومال، لم يكن الأمر زلة تاريخية ولا سوء حظ إفريقي، بل خطوة أولى في مسار طويل، تُوّج بالاعتراف بما يسمى "أرض الصومال"، الكيان الذي وُلد من رحم التفكك، ليُلقى مباشرة في حضن الجغرافيا الحساسة: البحر الأحمر، خليج عدن، وبوابة المحيط الهندي.
هنا، لا تعود "أرض الصومال" أرضًا ولا دولة، بل منصة. منصة تطل على واحد من أخطر وأهم الممرات الملاحية في العالم، حيث تمر الطاقة، والتجارة، وأعصاب الاقتصاد العالمي. وبمحاذاتها، تقف إريتيريا، الدولة الصامتة التي تحولت – حسب تقارير عديدة – إلى حامل طائرات بري، تنتشر فيه القواعد العسكرية الإسرائيلية دون ضجيج سيادي.
ثم تأتي إثيوبيا، حيث لعبت إسرائيل دور المهندس غير المرئي في مشروع سد النهضة، السد الذي جعل مياه النيل – شريان الحياة – رهينة قرار سياسي لا يمر بالضرورة عبر القاهرة. وهنا تتضح الصورة أكثر: الماء، البحر، المضايق.. كلها عناصر في لوحة واحدة.
ولا يكتمل المشهد دون اليمن، البلد الذي يُراد له – وفق تحليل اليحياوي – أن يُفصل كما تُفصل قطعة زائدة من خريطة، ليُقام في جنوبه كيان "وظيفي"، يكمّل الطوق حول البحر الأحمر. عندها، لن تكون إسرائيل مجرد لاعب، بل المايسترو الذي يلوّح بالعصا، بينما تتحرك السفن كما يريد.
في هذا السيناريو، يؤكد اليحياوي، تصبح الدول المطلة على البحر الأحمر – مصر، السعودية، الأردن، السودان، واليمن – جزءًا من محور جغرافي واحد، لا يجمعه التحالف، بل القلق، قلق من بحر لم يعد بحراهم، ومن مضايق تُدار من خلف البحار.
الرسالة التي يبعث بها اليحياوي ليست نبوءة، بل تذكير قاسٍ: من يريد أن يفهم القادم، عليه أن ينظر إلى الخريطة لا إلى الخطب. فإسرائيل، في هذا التصور، لا تأتي فجأة، بل تزحف ببطء، بلا ضجيج، وبخرائط لا تعترف بالسذاجة.
هيبازوم، 28 دجنبر 2025
hibazoom.com/article-197847/