هبة زووم – الرباط
في تفاعله المستمر مع القضايا البنيوية التي تؤرق المجتمع المغربي، يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لعب دوره النقدي المعتاد، واضعاً الأصبع على الجرح دون مواربة، في قراءة جريئة للأحداث المتتالية التي يعرفها المغرب، وعلى رأسها الفيضانات التي اجتاحت عدداً كبيراً من المدن.
اليحياوي، وفي تعليق لافت على هذه الكوارث المتكررة، ذهب إلى أبعد من توصيف الأضرار الظرفية، معتبراً أن ما يحدث ليس استثناءً ولا قضاءً وقدراً، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من الاختلالات.
فـ"لربما لا توجد مدينة مغربية واحدة لم تجرفها الفيضانات أو تغمر المياه شوارعها وأزقتها"، في مشهد يعكس فشلاً جماعياً لا يميّز بين إقليم وآخر، ولا بين مسؤول محلي وآخر.
يرفض اليحياوي منطق البحث عن "كبش فداء" مع كل فاجعة، مؤكداً أن المسؤولية مشتركة، وأن جميع الفاعلين المحليين يتحملون نصيبهم من هذا الانهيار. فلا عامل إقليم أفضل من غيره، ولا رئيس جماعة يملك صكّ البراءة، لأن "الجميع جنوا ما زرعوا"، حسب تعبيره.
ويرى الأكاديمي المغربي أن ما نشهده اليوم هو حصاد "بذرة فاسدة" أُنتجت عبر سنوات من التدبير السيئ، لتكون الغلة بطعم العلقم. طرق “مزفتة” بمظهر عصري، لكنها سرعان ما تتحول، مع أول تساقطات مطرية، إلى حفر وتشققات وانزلاقات للتربة، تكشف هشاشة البنية التحتية وغياب الجودة.
لا يقف اليحياوي عند الطرقات وحدها، بل يوسّع دائرة النقد لتشمل شبكات تصريف المياه التي تختنق مع أول قطرة مطر، فتتحول من آلية للحماية إلى مصدر خطر، وتقتحم المياه مساكن المواطنين، محاصرة إياهم ومعطلة حركة السير والتنقل في مدن ومناطق بأكملها.
هذه المشاهد، في نظره، ليست حوادث عرضية، بل أدلة دامغة على وجود خلل عميق في التخطيط والتنفيذ والمراقبة. فالمهندسون الذين صمموا هذه المشاريع، والمقاولات التي نفذتها، والجهات التي أوكلت إليها مهمة الصيانة، “يشربون من معين واحد”: معين الغش، حيث تُقدّم المصلحة الذاتية على السلامة العامة.
ولا يُعفي اليحياوي الآمرين بالصرف من المسؤولية، سواء كانوا منتخبين أو معينين، معتبراً أنهم ينتمون إلى نفس المنظومة التي لا تُحاسب ولا تُتابَع، وتضمن لأفرادها الإفلات من العقاب، منظومة تحمي الفشل، وتكافئ الرداءة، وتؤمن لمسؤوليها الخروج الآمن من كل كارثة، "كالشعرة من العجين".
في هذا السياق، تتحول الكوارث الطبيعية إلى امتحان أخلاقي وسياسي يفشل فيه المسؤولون، ليس فقط بسبب ضعف التدبير، بل بسبب غياب المحاسبة واستمرار ثقافة اللاعقاب.
بكلمات حادة، يذهب اليحياوي إلى توصيف هذه الفئة من المسؤولين باعتبارهم خصوماً للمجتمع، ليس فقط في الدنيا، بل حتى في ميزان العدالة الأخلاقية.
فحتى وإن تقمّصوا أدوار "الحَكم المنصف" في الخطاب الرسمي، فإن الواقع يفضح تناقضاتهم، ويضعهم في موقع الاتهام أمام الضمير الجماعي..
هيبازوم، 26 دجنبر 2025
https://www.hibazoom.com/article-197703/