تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"لماذا العرب ليسوا أحرارا؟"

مصطفى صفوان، دار الساقي، بيروت 2013، 120 ص.

ببداية الكتاب، يقول المؤلف: "بدأ الواقع العربي يتكشف، واتضح أن إسقاط الحكام لا يكفي وحده لتغيير المصير وبناء مستقبل جديد، وأن وراء استبداد الحكام هناك بنى استبداد ترسخت خلال عقود طويلة بل قرون في المجتمعات العربية على اختلافها، هي التي تسند استبداد الحكام".

ويتابع: "يقتضي التحرر واسترداد المكانة ومرجعية المساءلة من قبل الشعب باعتباره مصدر كل السلطات، وكذلك بناء المستقبل الذي يمسك فيه الإنسان العربي بزمام مصيره وصولا إلى صناعته، خوض معركة طويلة النفس لكشف بنى الاستبداد الراسخة سياسيا وثقافيا واجتماعيا ودينيا، والعمل على هدم قلاعها بما يمكن من بناء مستقبل نام، يعالج قهر الإنسان العربي وهدره الذي طال أمده، وصولا إلى استرداد كيانه وحقه في الوجود".

يلاحظ المؤلف أن بنية الاستبداد قد ترسخت خلال قرون طويلة من خلال تحالف ثلاثي: التجريم والتحريم والتأثيم، وصولا إلى "إخضاع الجماهير وغرس أخلاق الطاعة في النفوس والأذهان. الاستبداد يمارس التجريم كما هو معروف من خلال أجهزته الأمنية القمعية التي تنشر شبكة سطوتها وسيطرتها على جميع مناحي الحياة، وتقمع بلا هوادة أي مؤشر على التمرد والخروج عن الطاعة".

ومن المعروف، يؤكد الكاتب، أن "هذه الأجهزة الأمنية هي الأكثر تمويلا وتجهيزا في عالمنا العربي. إلا أن الاستبداد يتعزز من خلال التحريم الديني الذي يسيطر على النفوس والأفئدة ويخضعها لسلطانه. ويتمم التأثيم عمل التجريم والتحريم، من خلال حكم العصبيات التي تنتج المستبدين. تقوم العصبية على سياسة اخضع ترضع، أي الخضوع لسلطة العصبية العائلية أو العشائرية أو القبلية لقاء الحماية وتأمين المنافع".

بالتالي، فإن الاستبداد السياسي والأصوليات الدينية والعصبيات هي قوى متحالفة على الإنسان، ولو بدا أن بينها صراعات مصالح ونفوذ أحيانا، إلا أنها تدجن الإنسان سلوكيا وذهنيا ووجدانيا، ما يجعل ممكنا دوام السيطرة عليه.

نجد الدليل عليه، يقول المؤلف، في شعارات الأحادية والتأليه فوق مستوى البشر للحاكم. والمستبد من جانبه، من خلال تحالفه مع رجال الدين وسيطرته عليهم وتسخير فتاواهم لتعزيز سلطته، "يسحب من الموروث الديني ويستند إليه، مكتسبا العديد من صفات الألوهية المتمثلة في أسماء الله الحسنى: الواحد الأحد الفرد الصمد القوي القهار العزيز الجبار المتعالي، الغفور الرحيم المانح المانع إلى آخر السلسلة".

من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب أن الثورة الثقافية المصاحبة للثورة الصناعية لم تقم في أوروبا "إلا بعد الثورة على اللاتينية، لغة الكنيسة ولغة النصوص المقدسة التي لا وصول للشعب إليها إلا من خلال وساطة رجال الدين، وبالتالي فهي قد ضمنت هيمنة الكنيسة على مجموع المؤمنين. لم يكن قيام الديموقراطية ممكنا في أوروبا إلا بعد حسم المعركة ما بين اللاتينية وبين لغة الكلام الفعلي".

هذا التحول في عصر النهضة من اللاتينية (لغة الكنيسة والقلة وأداة سيطرتهما) إلى اللغات العامية الأوروبية، كان من "مقومات قيام الثورة الثقافية، حيث استرد الشعب لغته، ومعها استرد مرجعيته الذاتية وتحرر من مرجعية الكنيسة والبابا وكسر احتكارهما، وأصبحت المرجعية دنيوية، ما أطلق ثورة المعرفة والعقل من خلال تعميم القراءة والكتابة بلغة الشعب".

 يكاد العالم العربي يكون من الحالات القليلة التي لم تبنى فيه بعد نهضة علمية وفكرية وتقنية باللغة الأم، وذلك على عكس معظم شعوب العالم النامية والمتقدمة. لم يؤسس عربيا بعد علوما وتقنيات باللغة الأمّ، وبالتالي لم ينتج العالم العربي إنجازا يذكر في هذا المجال. بالتالي، فإن التحرير النفسي والثقافي الفعلي يمر من خلال استرداد الشعب للغته وحق القول الملآن من خلال كلامه.

ثم يعود الكاتب إلى السؤال الجوهري : كيف يتمكن رجل واحد من إجبار ملايين من الرجال الآخرين على الرضوخ للطغيان الذي يقمعهم ويذلهم؟ ويجيب: من دون أي ثقافة تعاونية، سيكون من الأسهل على الحاكم سحق التظاهرات، واعتقال القادة الذين يختفون في أغلب الأحيان، عندما ينزل الشعب إلى الشارع بسبب ظلمه أو خيبته أو غطرسته.

بالتالي، فما دمنا صامتين، فإننا نكون واحدا؛ فإذا تكلمنا نصبح اثنين. على كتابنا أن "يختاروا إن نقص الإيمان يستحيل أن يبرر الحرمان من المجتمع المدني أو السياسي. قد تتباين الآراء بشأن معرفة ما إذا كانت الحقيقة هي في نهاية المطاف مأثوراً أرضياً أو سماوياً. لكن ما أراه هو أن لا قيام لمجتمع إنساني على الأرض من دون مرجعية سماوية من نوع ما.

قد يقول البعض إن هذا الوضع ينطبق على المجتمعات القديمة فحسب، بينما تلتقي المجتمعات الحديثة اليوم على أرضية جديدة من العلم وليس الدين، ولكن هذا الرأي "يدحض ما نراه اليوم من احترام المشاعر والحركات الدينية، سواء في الشرق أو في الغرب، وهو احترام لا يبارى منذ الحروب الصليبية، فضلاً عن تصاعد العنصرية، ما يبرهن على بطلان هذا الزعم".

إن التعارض بين العلم والدين هو أبعد ما يكون عن هذه الحدة التي يدّعيها أنصارهما، حيث يعود إليهم الفضل كله في "نقل مركز الثقل من الهندسة إلى الجبر. بيد أن هذا التطور كان على الأرجح بسبب تعقيد مشاكل الميراث التي أوجدتها الشريعة الإسلامية، وهي مشكلات ما كان لها أن تظهر في مجتمعات يؤول فيها الميراث إلى الابن الأكبر وحده".

نافذة "قرأت لكم"

22 يناير 2026

يمكنكم مشاركة هذا المقال