تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"فكر ابن خلدون: العصبية والدولة" (1/3)

محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، يونيو 1994 (الطبعة السادسة)، 320 ص.

بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف لوضع الإطار العام لدراسته: "إننا نتوق أولا وقبل كل شيء، إلى تقديم آراء ابن خلدون كما هي وكما فكر فيها هو، انطلاقا من نظرة شمولية تحرص على أن تجد للأجزاء مكانها في الكل، حرصها على النظر إليها على ضوء مشاغله الشخصية وتجربته الاجتماعية، وعلى اعتبار أنها امتداد وتطور لمنازع الفكر العربي، السياسي والاجتماعي منه خاصة".

ويتساءل الكاتب عن السر في عدم تطور أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية قياسا إلى حضارتنا بالعصور الوسطى، لكنه يتدارك ويلاحظ بأن ابن خلدون ذاته سجل هذا التراجع حينما "لاحظ انتقاص الحضارة والعمران وخراب الأمصار والمصانع والسبل والمعالم والديار والمنازل والدول والقبائل، وتبدل الأحوال جملة في الآفاق والأجيال".

بالتالي، فسؤال "لماذا انهارت الحضارة العربية الإسلامية بعد أن بلغت مداها من العظمة والمجد؟"، هو الإطار العام الذي حكم أبحاث ابن خلدون وتأملاته.

ويرى الكاتب أن ابن خلدون حاول "أن يفلسف التاريخ الإسلامي إلى عهده...لقد كون لنفسه تصورا خاصا به للتاريخ الإسلامي ومسيرته. وهو تصور مستمد من ظروف تجربته ووقائع عصره والمعطيات الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات التي عاش فيها ودرس أحوالها".

ويزعم الكاتب أن ابن خلدون قد اتخذ من العصبية "المفتاح الوحيد الذي حل به جميع المشاكل التي يطرحها سير أحداث التاريخ الإسلامي إلى عهده".

بمعنى أن ابن خلدون اشتغل على الأسئلة التالية: "لماذا تتحول العصبية في لحظة من اللحظات من مجرد رابطة سيكولوجية اجتماعية، إلى قوة للمواجهة والمطالبة ومن ثمة تأسيس الملك والدولة؟ لماذا تضعف العصبية وتنكسر سورتها بمجرد بلوغها غايتها من الملك والشروع في جني ثمراته؟ لماذا تفسد العصبية بالترف والنعيم وهي القائمة أصلا على النسب أو ما في معناه؟ لماذا تسقط الدولة بفساد عصبيتها، لتقوم عصبية جديدة بتأسيس دولة جديدة؟ ثم لماذا كانت الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره ومؤذنة بفساده؟ وأخيرا، لماذا كانت حركة التاريخ الإسلامي كما يصورها ابن خلدون، حركة انتقال من البداوة إلى الحضارة، حركة تسير لا على خط مستقيم، بل على شكل دورة؟".

يتحدث الكاتب في تقديمه لابن خلدون ("الرجل وعلمه الجديد") عن "مقام" صاحب "المقدمة": "إذا نظرنا إلى آراء صاحب المقدمة من خلال أحداث العصر الذي عاش فيه، خيل إلينا وكأن الرجل لم يفعل أكثر من وصف ما شاهده تحت ستار أسلوب النظرية والبرهان. وإذا نظرنا إليها من زاوية تجربته الشخصية، السياسية والاجتماعية والفكرية، تبدى لنا وكأن صاحبها لم يتجاوز إسقاط معطيات هذه التجربة نفسها على التاريخ، التاريخ الإسلامي بالخصوص".

كل شيء بدأ برأي المؤلف، بالقرن الرابع عشر الميلادي، حيث بدأ بريق الحضارة يتراجع: هجمات التتار شرقا، تقلص حكم المسلمين في الأندلس غربا، ضعف الأسر الحاكمة وتنافسها، الطاعون الذي خلف دمارا كبيرا، الجمود الفكري وانتشار التفكير الخرافي...الخ. وقد طٍرا في هذا القرن، أن انهزمت الأمبراطورية الموحدية في المغرب، بعدما كانت أعظم دولة بشمال إفريقيا، وهو ما أثر كثيرا على تصور ابن خلدون.

لقد عاش ابن خلدون لدى صاحب تونس، ثم بفاس بقصور المرينيين، ثم ببلاط ابن الأحمر بالأندلس، ثم تولى منصب الحجابة ببجاية، لينتهي به المطاف إلى قلعة ابن سلامة حيث سيشرع في تأليف "كتاب العبر". وعاش الاضطرابات الاجتماعية أيضا بسبب الطبيعة القبلية للمجتمعات المغاربية التي عاش في ظلها، حيث مجموعات قبائل متحالفة مع بعضها البعض تارة، ومتصارعة تارات أخرى.

كانت البيئة التي جايلها بيئة صعبة، حيث يعيش البدو الرحل بعيدين عن السلطة المركزية، فلا يدفعون الضرائب ولا يخضعون للمراقبة، وكانت وسائل الغنى، أي وسائل الحصول على الثروة تأتي من التجارة أو من الغزو، وهما يعتمدان معا على قوة القبيلة وقدرتها على الغزو، أو على مدى ما يتمتع به من نفوذ وجاه يمكنها من حماية تجارتها.

الفلاحة في هذا العصر، لم تكن مصدرا للثروة ولا وسيلة للغنى، وإنما كانت معاشا للمستضعفين".

بالمقابل، فإن تصور الحكم في دار الإسلام قد جعل الولاء في هذه الفترة لهذا الحاكم أو ذاك، ضرورة وقتية فقط. ابن خلدون ذاته لم يستقر على ولاء واحد للحكام الذين عمل معهم، مما جعل بعض الباحثين ينعتونه بالانتهازي.

أما الحركة الفكرية، فقد انتكست لأن الحكام الذين كانوا من ذي قبل يشجعون أهل الفكر والعلم، انشغلوا عنهما بعروتهم المتداعية. لذلك، انحسر مد العلوم النقلية والعقلية على حد سواء، وازداد الحنق على الفلسفة. بالتالي، انحسر النشاط العلمي في عصر ابن خلدون على الدراسات الفقهية الجامدة وعلى التصوف، دع عنك الشعوذة والتضليل اللذان سيطرا على العامة وباتا قوة سياسية ودينية.

هذه الظروف العامة هي التي أثرت في عقل ابن خلدون وجعلته "بمثابة عدسة مصورة يلتقط الصور من كل جانب بوعي منه أو بدون وعي، ويختزنها في ذاكرته، مما كان له أكبر الأثر في تكوين فكره وتحديد نظرته إلى الكون والإنسان، إلى الاجتماع والعمران".

ومعنى ذلك، أن التجربة السياسية والاجتماعية التي عاشها ابن خلدون كانت مصدرا أساسيا من مصادر فكره الاجتماعي والسياسي. فقد عاش 15 عاما في قصور الملوك والأمراء، فتعرف عن كثب على أسلوب حياة "الحضارة"، حياة "التفنن في الترف واستجادة أحواله". واحتك مع الأرستقراطية التي كانت تعيش عيشة طفيلية "تستهلك ولا تنتج، تبتلع ولا تعمل، شغلها الشاغل الحفاظ على مستوى عيشها بالتقرب للحكام تارة، وبالتآمر عليهم تارة أخرى". وتعرف في الآن ذاته، على طباع البدو وأخلاقهم وأسلوب حياتهم ("العمران البدوي").

ولذلك، فإن ابن خلدون يرى أن حوادث التاريخ ليست نتيجة جبرية عمياء، وإنما هي في جملتها، نتيجة ما تقتضيه طبائع العمران. هذه الطبائع التي "لا تتنافى مع حرية البشر إلا بمقدار ما يتجاهلونها، ولا تتعارض مع المشيئة الإلهية لأنها هي نفسها تجسيم لهذه المشيئة".

يمكنكم مشاركة هذا المقال