تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الفلسفة فنا للعيش"

عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2012، 144 ص.

هذا الكتاب هو مجموعة نصوص أفردها الكاتب لمسألة الفلسفة كفن "للعيش معا"، أي كمجتمع، عوضا عن العيش كفرد. سنقف هنا عند نصوصه الأساسية:

°- بنص "في مقاومة البلاهة"، يقول الكاتب: "ابتداء من القرن التاسع عشر، لن يكتفي الفكر لا بالتحصين المنهجي ولا بمحاكمة العقل، ولن يقنع بالنضال ضد الأوهام، وإنما سيغدو مقاومة، ومقاومة تكافئ في عنادها لا صاحبة الأخطاء، ولا قوة الأوهام ومكرها، وإنما ما يدعوه دولوز بعد نيتشه، البلاهة. صارت مهمة الفكر الأساسية على حد تعبير نيتشه، إزعاج البلاهة ومضايقتها".

يتبنى الكاتب هنا التحديد الذي قدمه ميلان كونديرا، عندما قال إن البلاهة "لا تعني الجهل، وإنما اللافكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة".

°- بنص "الصخب والعنف"، يتحدث الكاتب عن الضوضاء والضجيج الذي يطبع الفكر المعاصر: إن "السمة الأساسية التي تميز هذا الفكر في رأينا، هو اقترانه باللغط والضجة والاحتفاءات والمهرجانات ورفع الأصوات".

الفكر يحتاج بنظره، إلى "مطرقة، كي نجعله جسا لنبض الأشياء وإنصاتا لموسيقى العالم". الصمت في الموسيقى مكون أساسي لكل معزوفة، وعليه، فلا بد أن "يستبعد من أجل ذلك كل ضجيج وصخب، فلا يقرن الفكر بالضرورة بالمواسم والمهرجانات، ولا بعقد الندوات وتنظيم المؤتمرات، ولا برفع الشعارات وإصدار البيانات، ولا بتسليم الجوائز وإقامة الاحتفاءات، ولا بالتسابق نحو مكبرات الإذاعات ومنابر التلفزيونات، ولا بالتناحر من أجل أخذ الكلمة والاستحواذ على المعاني والاستئثار بحق التأويل وادعاء امتلاك الحقيقة، ولا بكل ما من شأنه أن يحول دون الإصغاء إلى نبات الحياة، وذبذبة الأشياء وحفيف اللغة".

°- بنص "الحدود والجدارات"، يعتقد الكاتب أن سقوط جدار برلين ليس معناه قدوم عهد الانفتاح والتواصل. لقد أقيمت بعد سقوطه، عشرات من الجدارات الكبرى، لعل أقواها ما أقامته إسرائيل والولايات المتحدة.

لا يدل هذا في نظره، على قوة الدولة، بل على إخفاقها في حماية حدودها وسيادتها. إذ بعد أن أقامت العديد من الدول جدرانا من طينة خاصة، بدأت تتخفى وراء قوانين تشريعية ووزارات بأسماء معروفة من قبيل وزارة الهجرة أو وزارة الهوية الوطنية أو وزارة الاندماج...الخ. إنها جدران تفصل البشر "وفق ألوان بشرتهم وأنواع قيمهم وأشكال ثقافاتهم".

الحدود اعتراف بين الدول متبادل، لكن الجدران تبنى ضد الآخر ورغم أنفه. الحدود لا تفصل، وإنما تميز الأطراف. "الجدران تمنع الثقافة والتواصل، في حين أن الحدود تسمح بها. إننا نفضل الحدود على الجدران، لأن الأولى تلقحنا ضد الثانية".

°- بنص "بنية الثورات السياسية"، يقدم الكاتب قراءة للثورات العربية بناء على ما جاء به صاحب كتاب "بنية الثورات العلمية" (طوماس كيون)، فيقول بأن الثورات السياسية "تبدأ مع تصاعد الإحساس بعجز البراديغم المتداول عن استيعاب الأمور، ومع الوعي بأن المؤسسات القديمة لم تعد تفي على نحو ملائم، بحل المشكلات التي تطرحها بيئة كانت تلك المؤسسات طرفا في خلقها".

المتشابه مع الثورة العلمية هو أن بروز هذه الأخيرة جاء مع تزايد "الإحساس بأن أحد البراديغمات والنماذج الإرشادية قد كف عن أداء دوره بصورة كافية، في مجال اكتشاف جانب من الطبيعة سبق لهذا البراديغم أن وجه البحوث الخاصة به".

الثورة تأتي إذن لتقضي على "المعايير المتبعة... لتؤدي إلى إعادة صياغة جذرية للمشكلات وتجديد كلي للمناهج، بحيث يغدو من المتعذر ترجمة المفهومات من سياق الآخر".

يدخل العلم هنا في "أزمة"، عندما يكون فيها البراديغم المتجاوز عاجزا عن استيعاب المستجد.

°- بنص "من هو المثقف؟" يتساءل الكاتب عن المعايير اللازم توفرها في المرء، كي يغدو ضمن فئة المثقفين. ما الذي يجمع تشومسكي بأدونيس بإدوارد سعيد بخوان كوتيصولو مثلا؟

يقر المؤلف هنا بأن ثمة أفراد "يقع حولهم إجماع بأنهم مثقفون، فتغدو أقوالهم وأفعالهم مما ينبغي أن يقتدى به، والمهم أن بياناتهم وفتاواهم تصبح سلطة فوق كل السلطات، وأنهم قادرون أن يصدروها ضد أقوى الدول وأكبر الحكام".

°- بنص "الأخبار أوامر"، يلاحظ الكاتب أن وسائل الإعلام غيرت وظيفتها وشكلها في مجتمع الرقابة. فالأخبار "لم تعد مجرد توجيه وإرشاد وتربية، وإنما غدت مجموعة أوامر".

ويتابع القول بأن الإيديولوجيا تكترث بالأفراد وتولي إليهم عنايتها، لكن في منظومة الرقابة، لا قيمة للفرد إلا باعتباره "عنصرا في منظومة تتحكم هي نفسها في عملها وتراقب كل مكوناته".

°- بنص "المعرفة والسلطة"، ينطلق الكاتب من مقولة أوغست كانت "المعرفة قوة وسلطة وتمكن"، ليلاحظ بأن "القوة والسلطة والعنف هم نسيج المعرفة وليس مجرد علاقة خارجية". القوة تدخل في نسيج المعرفة ولا تشكل تطبيقا لها فحسب.

الفكر السياسي لا يمكن بنظر الكاتب، أن يحتكر مفهوم السلطة، لأن هاته لا تتجلي فحسب في السياسة والقانون، و"إنما في المدرسة والأسرة والمعمل وميادين اللعب، بل في الجنس والكتابة واللغة".

يمكنكم مشاركة هذا المقال