Aller au contenu principal

"الصين وشركات التكنولوجيا: أذرع التجسس ومصادر التفوق والهيمنة الرقمية"

حسن لطيف الزبيدي وآخرون، مركز الرافدين للحوار، بيروت، 2022، 145 ص.

ببداية هذا البحث، نقرأ التالي: "برزت خلال السنوات القليلة الماضية، الأصوات المشككة في عمل بعض شركات الاتصالات الصينية، وفي مقدمتها هواوي...وذلك من خلال دورها في إنشاء وتشغيل شبكات الجيل الخامس، التي نظرت إليها الولايات المتحدة وبعض الدول المتقدمة على أنها تهديد مباشر وجدي لأمنها، في ظل شبهات التجسس والهيمنة المستقبلية على قطاع الاتصالات عبر العالم".

تتحدث الدراسة عن الصين وشركاتها باعتبارها علاقات تخادم وهيمنة، وتؤكد أن الصين استفادت من عالم ما بعد الحرب الباردة والحرية الاقتصادية العالمية، لترسيخ صعودها وتحولها إلى قوة اقتصادية عظمى تنافس الولايات المتحدة الأميركية. وقد عمدت في ذلك إلى توظيف شركاتها الكبرى، ليس فقط لبناء منظومة اقتصادية واسعة، بل أيضا لإقامة أذرع تجسس واسعة.

خاصية الصين الأساس تكمن برأي أصحاب هذا البحث، في أنها خططت لاقتصادها خارج نسق الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فبنت نموذجا في التنمية يعتمد على الذات. وقد عملت الصين بنموذج يعتمد آليات اقتصاد السوق، لكن بجانب التخطيط المركزي فيما يعرف ب"اقتصاد السوق الاشتراكي"، لتخرج من القرن العشرين باقتصاد من نظامين: اشتراكي ورأسمالي.

لقد كان الناتج المحلي الإجمالي الصيني سنة 1960، حوالي 60 مليار دولار، ليبلغ في العام 2021، إلى حوالي 18 تريليون دولار، أي أكثر من 18 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، أي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ذات ال 23 تريليون دولار و 24 بالمائة من الناتج المحلي العالمي.

إن الصين لا تخفي أنها بحاجة للربع الأول من القرن الحادي والعشرين، كي تستكمل "سوقها الاجتماعي الكونفوشي الشامل". لذلك، فهي تنظر بعين الرضا للمنافسة الأميركية ولسياسات الاحتواء التي تحاك ضدها، إذ ترى أن الوقت لم يحن بعد ليتحول الصراع إلى صراع على القمة.

إن سياسة "الصيننة" التي ينهجها الرئيس الصيني الحالي، بدأت تتجسد مع مبادرة "طريق الحرير الجديد"، وهي مشاريع بنية تحتية تربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا عبر 67 بلدا.

لقد استطاعت الصين أن تقيم شركات عملاقة، أصبحت مع الوقت ذراعها القوية في كل مكان من العالم. إذ ضمن ال 1000 شركة التي تضمها قائمة فوربيس، نجد حوالي 250 شركة صينية، بلغت مبيعاتها أكثر من 3000 مليار دولار سنة 2022. كما أن أكثر من 200 شركة باتت مدرجة في البورصات الأميركية.

وتسيطر شركات الاتصالات الكبرى، لا سيما شركات صناعة الهواتف الذكية على 22 بالمائة من شحنات الهواتف الذكية في العالم سنة 2022. كما تمتلك الصين اليوم أضخم بنية رقمية خارج العالم الحر، مما يجعل الولايات المتحدة تخشى على أمنها القومي ومن عملية جمع المعلومات التي تثوي خلفها الاستخبارات الصينية. وتقوم استخبارات جيش التحرير الشعبي الصيني بتجميع كل المعلومات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لدعم مشروعها العسكري.

تقدر الخسائر السنوية للولايات المتحدة من سرقة المعلومات والأسرار التقنية من قبل الصين، بحوالي 360 مليار دولار. من هنا، نفهم خلفيات توقيف الولايات المتحدة لنشاط شركة هواوي وفرض عقوبات على تيك توك وعلى ويتشاط التي تسيطر عليها الصين.

ويذكر البحث بأن شركة هواوي تتخصص في أنظمة الهاتف النقالة. وقد تم إنشاؤها في العام 1987، من لدن ضابط سابق في جيش التحرير الشعبي الصيني. وهي أكبر مصنع لمعدلات الاتصالات السلكية واللاسلكية. وهي الأكبر حاليا على مستوى العالم بعد سامسونغ. وقد حققت في العام 2022، أرباحا بقيمة 45 مليار دولار، وتتوفر على شبكة عالمية تضم 16 معهدا للبحث والتطوير.

إن منافسيها الكبار قليلون، إذ تتنافس فقط مع إيريكسون السويدية ونوكيا الفنلندية. وقد ضغطت الولايات المتحدة على الشركة، فصاغت برنامجا وقعت عليه 60 دولة تحظر شبكات الجيل الخامس للاتصالات الخليوية. وتخشى الولايات المتحدة أن تسيطر الصين من خلال هواوي، على الجيل الخامس للاتصالات وتعمل على إنشاء الجيل التالي من الإنترنيت. وهو ما أبدت استراليا ثم بريطانيا وكندا خشيتهم منه أيضا.

إن الصين تراهن على الأسبقية الرقمية والرغبة بالظهور كرائد عالمي في تكنولوجيا الجيل الخامس. ويعتبر التجسس أداة هذا الطموح، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو العسكري أو التكنولوجي.

وتعتبر شركات تكنولوجيا الاتصالات رافعة هذه السياسة، "فهم أبطال قوميون يحققون أهداف الدولة ويكملون عمل استراتيجيتها". ولعل ما تقوم به شركة هواوي في إفريقيا مثلا، يدل على هذا التوجه بقوة. ولذلك، فإنه من الصعب إقناع الآخرين بأن هواوي ليست أداة تجسس بين يدي الدولة الصينية، لا سيما وأنها صنيعتها.

أما عن الملكية الفكرية، فيشاع أن الصين تعد من كبار منتهكيها، إذ تقدر خسائر الولايات المتحدة في العام 2019 بحوالي 50 مليار دولار. أما ألمانيا، فتعتبر أن 20 بالمائة من خسائرها السنوية للتجسس (أكثر من 60 مليار دولار)، تأتي بسبب الهجمات السيبرانية الصينية.

إن هواوي تترك ثغرات عن قصد لدى إقامتها لأية بنية رقمية، وهو ما يمكنها من "التسلل والوصول إلى البيانات التي تحتاجها والتحكم فيها ومعالجتها".

إن قوة هواوي في بناء منظومة رقابة مشددة من خلال بناها التحتية وبرمجياتها وأعتدتها، هي العناصر التي تغري العديد من بلدان إفريقيا والشرق الأوسط، كونها تراهن على فرض السيطرة على الفضاء الألكتروني.

الصين هنا إنما تساعد على تعزيز الاستبداد الرقمي، من خلال تعزيز تقنيات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. إنها ليست وحدها في تقديم تكنولوجيا المراقبة. البلدان الغربية الكبرى تقوم بذلك أيضا.

ويخلص البحث إلى القول بأن عمالقة تكنولوجيا الاتصالات إنما أضحوا جزءا من منظومة قوية اقامتها الصين ليس فقط لضمان الريادة العالمية في المجال الرقمي، بل لإشاعة منظومة في الرقابة والتجسس على البلدان المختلفة وعلى مواطنيها أيضا.

Vous pouvez partager ce contenu