Aller au contenu principal

"عنف السوق"

العنف الذي نقصد، في هذا المقام، ليس هو "العنف الشرعي" الذي تمارسه الدولة على الأفراد والجماعات، ولا هو ذاك "العنف الاجتماعي" الذي قد نعاينه بين أضلع المجتمع، كانعكاس "طبيعي" لاحتقان أو لضغط أو لأزمة. هذا عنف "منظم"، لا تعدم الأدوات لمواجهته أو للحد من مداه، أو لترويضه بالتشريعات والقوانين.

العنف المتحدث فيه هنا، إنما هو ذاك الشكل من الإكراه، الخشن والناعم، الذي لا نكاد نعاينه بالعين المجردة، لكنه قائم من بين ظهراني السوق، أو "بالفضاء العام" الذي يتحرك في إطاره الفاعلون، أشخاصا ذاتيين ومؤسسات.

هو عنف قد يكون متأتيا من طبيعة السوق ذاته، أي من صميمه، إذ لا يكفي الاحتكام إلى منطق العرض والطلب إذا اعتل سريان المعلومة بين الفاعلين، واختل التوازن "الطبيعي" الذي يضمن نسقية ذات المنطق، أو تزعزعت الثقة بين الفاعلين إياهم، نتيجة سلوك "طائش" من لدن بعض منهم، أو تدخل جهات خارجية تحد من الثقة إياها، وتدفع بالكل لأن يكون مع الكل ضد الكل.

ثم هو عنف قد يكون متأتيا من وضعيات احتكارية، ومن محميات بالسوق لا يستطيع أقوى الفاعلين الاقتراب منها، أو منازعتها السلوك والممارسة، فما بالك منافستها.

وقد يكون متأتيا، فضلا عن ذلك، من استراتيجيات فاعلين خارجيين، لا يكترثوا بمبدأ تراكم رأس المال، بقدر ما يكون دافعهم الأساس هو حافز الربح السريع والمضاربات العابرة للحدود.

في الحالات مجتمعة، يبدو السوق مصدرا للعنف، إذا لم يكن بحكم طبيعته وخصائصه الذاتية، فبالتأكيد لكونه يخضع "لترتيبات" لا قبل للفاعلين الأصليين بها. العنف هنا يأخذ سبلا شتى، لكن نتيجته واحدة لا تتغير، لأنها تنهل من معين مشترك، معين الإكراه.

ولعل أولى أوجه عنف السوق، إنما حالة الاحتكار التي تتأتى لهذا الفاعل أو ذاك، نتيجة اقتصاديات في السلم مرتفعة، أو جراء استراتيجيات اندماج واسعة، أفقية وعمودية، أو بسبب ترسيم حواجز للبلوغ مصطنعة أو "طبيعية"، تعمل على تلغيم مداخل السوق والحؤول دون وصول فاعلين جدد إليه.

الاحتكار عنف يمارس على المنافسة. إنه يلغيها ويفرض قانونه على قوانينها. إنه لا يتماهى مع منطقها، حتى وإن كان خاضعا لها من ذي قبل، أي قبلما يركب ناصيتها، ويناور "ليبلغ المراد". المنافسة هنا تتحول. إنها تتراجع بين الأغلبية، وسرعان ما تقتصر على التدافع بين الاحتكارات الكبرى، لتستقر على الأقوى ضمنهم. مبدأ "البقاء للأقوى" يأخذ في هذه الحالة، منحى غير الذي تنشده المنافسة أو يتطلع إليه المتنافسون. إنه يغدو البقاء المطلق للقوي.

ولذلك، نجد أن الدول الليبيرالية، غالبا ما تلجأ إلى سن أو إعمال قوانين تقوض بموجبها الاحتكارات الكبرى، كي تدفعها للتساوق مع المنافسة في حدها الأدنى، وتحول دون أن يتحول الاقتصاد والمجتمع إلى رهينة بين أيديها.

يقال ألا عيب في الاحتكار باعتباره إفرازا للسوق وجزءا منه. ويقال بالبناء على ذلك، إن العيب هو في الوضعية الاحتكارية التي يثوي خلفها هذا الفاعل أو ذاك. بما معناه أننا قد نقبل بالاحتكار، لكن شريطة ألا يتحول سلوكه إلى تأثيث لوضعية احتكارية، قد يطبعها التجاوز بالسوق.

بيد أن هذا الطرح لا يستقيم دائما، إذ السلوك الاحتكاري هو في الأصل من واقع الاحتكار، وواقع الاحتكار هو بدوره مدعاة كافية للتجاوز في ظل الوضعيات الاحتكارية. هذا من ذاك، والعكس بالعكس أيضا، حتى وإن بلغ الأمر مراتب المنافسة الاحتكارية، التي قد تكون أخف الضررين في غياب المنافسة الشريفة.

أما ثاني أوجه عنف السوق، في ظل المنافسة كما في ظل "اقتصاد الاحتكار"، فيكمن في خاصية الإقصاء التي يعمد إليها عندما تلجه السلطة أو تغازله. يقبل التزاوج معها، فيصبح أمر تضارب المصالح مثلا أمرا شائعا وصارخا.

الإقصاء هنا لا يطال فقط من لا يتماهى مع منطق السوق، وقد بات للسلطة موطئ قدم فاعل به، بل يطال أيضا من يناهض هذا "الواقع الجديد" أو يعارضه أو يبدي الممانعة أو العصيان في وجهه. السلطة بهذا السلوك، لا تخلق عنفا جديدا. إنها تعيد فقط تدوير العنف الشرعي، لتعيد إنتاجه بالسوق.

لا يتم إقصاء من هم خلف إنتاج وتوزيع فائض القيمة فحسب، بل يطال الإقصاء أيضا من يعمدون إلى اقتناء ذات الفائض، أو هم في أمس الحاجة إليه. تتدنى بجريرة ذلك، القدرة على الاقتناء، وتتراجع القابلية على الاستهلاك، وتنحسر دورة الإنتاج في المدى المنظور جراء انحسار دورة الاستهلاك، وإلا فأي قدرة حقا على الاقتناء لدى العامل العاطل، أو المنتج الغير قادر على تصريف فائض إنتاجه؟ وأي قدرة على الاستهلاك لدى من لديه دخلا محدودا، أو ارتفعت الأسعار من بين يديه، فلم يعد يقوى على التحمل؟

أما ثالث أوجه عنف السوق فيتمثل في سيادة منطق الريع. وهو استنزاف غير مشروع لفائض القيمة. استنزاف بغير وجه حق. صحيح أن الريع هو بوجه من الوجوه، إكراه ممارس على السوق من خارجه، لكنه ما كان له أن يكون لولا توافر البيئة لذلك.

فنظام المأذونيات مثلا، هو ريع يقتطع من فائض القيمة بالسوق. ثم هو إفساد لقواعد اللعبة، على الأقل من زاوية أنه لا يحتكم إلى منطق التكلفة في تحديد السعر، وإلى المنافسة في تحديد منسوبه.

الريع دخل قار، سواء زاد حجم الفائض أم نقص. ولذلك، فهو عنف ممارس على الفائض إياه وإكراه يجبر الفاعلين بالسوق على التعامل معه، وإن على مضض.

لو كان لنا أن نوسع مجال الطرح هنا، لقلنا بأن عولمة السوق هي أيضا شكلا من أشكال العنف الممارس على الأفراد والجماعات بكل جهات العالم. هم جميعا مكمن إقصاء ممنهج، إذا لم يكن من زاوية بعدهم عن مراكز إنتاج الفائض، فبالتأكيد من زاوية ألا سبيل لديهم لاقتنائه.

لذلك، نرى من حولنا بلدانا لا قيمة لها تذكر بموازين القوة الاقتصادية، لأنها لا تملك مقومات الإنتاج ولا قدرة لديها على الاقتناء.

Vous pouvez partager ce contenu