Aller au contenu principal

"رأسمالية الدم في غزة"

ببداية شهر يوليوز/تموز الماضي، أصدرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة، تقريرا مفصلا عن واقع ومآل هذه الحقوق في ظل الاحتلال، حمل عنوان: "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية" في غزة.

هو تقرير موثق، لأنه ينبني على أكثر من مائتي مساهمة ميدانية طالت أكثر من ألف شركة عالمية، تأكد للمقررة بالحجة والدليل، أنها متورطة فعلا ومباشرة، في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الفلسطيني بغزة والضفة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول من العام 2023.

يخلص التقرير، بمعاينة دقيقة للمعطيات المتوافرة لديه، إلى نتيجة واحدة، لكنها مأساوية ومرعبة، لأنها تختزل كل عذابات أهل غزة: إن السر في استمرار، ثم الإمعان في استمرار هذه الحرب المدمرة، إنما يكمن في كونها عملية مربحة ومردودها مضمون بالنسبة لعشرات الشركات والمؤسسات المنخرطة فيها، عسكرية ومدنية على حد سواء.

صحيح، هي شركات تسوق سلعا وخدمات لفائدة إسرائيل، لكنها تستثمر في اقتصاد بات حيويا، مراكمة الربح فيه مرتفعة واحتمال المجازفة من بين ظهرانيه ضعيفة ومتدنية: إنه الاقتصاد المحرك لرأسمالية الدم في غزة. اقتصاد لا يشكو العرض ولا يحده الطلب، بل يتحرك بانسيابية كبرى طالما الطلب قائم وثابت، والعرض متنوع ومضمون.

في قطاع الأسلحة الفتاكة مثلا، عمدت شركتا "إلبيت" و"لوكهيد مارتن" الأميركيتين، إلى تزويد إسرائيل بشتى أنواع الذخائر المدمرة، بما فيها القنابل العنقودية، ثم بطائرات ال "إيف. 35" المتقدمة، والتي أسقطت لوحدها على غزة، ما يوازي 85 ألف طن من القنابل، أي أضعاف قوة القنبلة التي ألقيت على نكازاكي اليابانية في أربعينات القرن الماضي، ثم بسلسلة متكاملة من القنابل المجربة ميدانيا، منها ما تم تجريبه بقطاع غزة ذاته.

الشركات الأميركية للسلاح لا تنتظر تفاصيل الطلبيات، إنها تتكفل بصياغتها من تلقاء نفسها، وتبعث بها عبر جسر جوي مفعل آناء الليل وأطراف النهار، فيما تتكفل بالتمويل، شركات "بلاك روك" و"فانجارد" و"بي. إن. بي. باريبا"، عبر اقتناء عشرات الملايير من الدولارات من سندات الخزانة الإسرائيلية والشركات التي تعمل بقطاع السلاح لديها.

في مجال الطاقة، تبين وثائق التقرير أن شركة "شيفرون" وفرت لإسرائيل دفعات ضخمة من الفحم والنفط والغاز التي تلجأ إليها هذه الأخيرة لإطباق حصارها على أفران غزة ومستشفياتها.

في قطاع التكنولوجيات الدقيقة والرقابة، يقول التقرير بالواضح الصريح: "قدمت مايكروسوفت وغوغل وأمازون أنظمة ذكاء اصطناعي مثل 'لافندر' لاستهداف الفلسطينيين، ووفرت لإسرائيل خدمات سحابية لتخزين المعلومات".

 كما استخدمت إسرائيل آليات وجرافات شركات 'كاتربيلر'، و'فولفو' و'هيونداي' لهدم المنازل في غزة وفي الضفة الغربية، على رؤوس أصحابها ودفنهم تحت أنقاضها أحياء.

لو وسعنا نطاق عمل هذه الشركات المتاجرة في الدم، لوجدنا أنها تحتكم في أبحاثها النظرية وتجاربها التطبيقية، على شبكة واسعة من الجامعات والمعاهد الأكاديمية المشهورة، والتي لا تتحرج من إعلان تواطؤها مع إسرائيل ومع منطق اقتصاد الدم.

إنه لمن المرعب أن نجد معهدا مرموقا كمعهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" متورطا في اقتصاد الدم السائد، إذ من بين ظهراني مختبراته تجرى الأبحاث العسكرية المتقدمة والتجارب العملية بمجال الأسلحة الفتاكة، وتصمم برمجيات الذكاء الاصطناعي التي تراقب وتطارد وتوجه آلة الحرب بالليل وبالنهار. أما برنامج "افق أوروبا" التابع للمفوضية الأوروبية والممول من لدنها، فقد وطد علاقاته مع مؤسسات أكاديمية إسرائيلية متواطئة لذات الغرض أيضا.

بصلب ذلك، تكفلت الجامعة التقنية بميونيخ الألمانية، وبشراكة مع شركة "آي. بي. إيم" للمعلوميات، على تطوير أنظمة متطورة للتخزين السحابي والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المعطيات الضخمة.

كلها شركات وبنى مؤسساتية تتغذى على اقتصاد الدم، أي على مسلسل الإبادة الجماعية الجاري بمعرفة وأمام أنظار كل سكان الكوكب.

ما رأسمالية الدم إذن؟

°- هي جزء من حركية دورة رأس المال التي لا غاية لها إلا الربح، حتى وإن كانت الوسائل لإدراكها، مذمومة أو مدانة أو غير مؤطرة بالقانون. إنها الرأسمالية الحاضنة لسوق الدم المخوصص، المفتوح والمباح.

°- هي نمط في التراكم والإنتاج لا يعتد بقيم، ولا تحده أخلاق ولا تردعه نواميس. إنه يقدم على المحذور، ولا يتردد في الدفاع عنه وتسويقه باعتباره مجالا من مجالات السوق. الدم المسال هنا كفيل بتبييض الربح المتأتي من تدفقه.

°- ثم هي فضاء محمي ومصان، إذ القوة سنده والبطش أداته والتضليل منهجه...رأسمالية متخلصة من المساءلة وشركاتها محصنة ضد المتابعة.

سوق الرأسمالية في غزة، هو سوق الدم بامتياز. هو مادتها، محركها ومحفزها. إذ كلما كانت الأسلحة فتاكة والدم غزيرا، كلما ارتفعت قيمة الشركات المنتجة لها، ببورصات القيم العالمية وبسوق الرساميل الجوالة.

موقع عروبة 22، 11 غشت 2025

 

https://ourouba22.com/article/6535-%D8%B1%D8%A3%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%BA%D8%B2%D8%A9

Vous pouvez partager ce contenu